مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > السودان > المقالات والدراسات > بكائيات الغرب على دارفور فعل أقرب إلى النفاق
بكائيات الغرب على دارفور فعل أقرب إلى النفاق نسخة للطابعة ارسال الی صديق
 
يتوقف المراقب بإندهاش أمام البكاء الغربي والأمريكي على ما يسمونه بحقوق الإنسان المهدورة في إقليم دارفور، والإنتهاكات المتواصلة للحكومة السودانية تجاه إنسان دارفور، مع الضغط المتواصل على الأمم المتحدة ومجلس الأمن لإصدار ما يقرب من عشرين قرارا دوليا في أقل من ثلاث سنوات بشأن قضية داخلية بالأساس ولكن الغرب أراد بحكم مصالحه وأطماعه أن يحولها إلى أزمة عالمية، الأمر الذى يثير الدهشة والإستغراب من تلك المواقف والسياسات التي في ظاهرها رحمة وباطنها يمتلىء بالعذاب والنفاق والرغبة في الهيمنة وامتصاص ثروات الشعوب وتحديداً -النفط- الذي بدأت رائحته تفوح في هذا الإقليم البائس، وبدلاً من أن تتحول هذه النعمة -النفط- إلى خير لأهل الإقليم تحولت على أيدي واشنطن وحلفائها إلى -نقمة- تتوالى حلقاتها المرة على أرض وشعب السودان.

أزمة سودانية بالأساس
إن أزمة دارفور - وكما سنرى - هي بالأساس مشكلة سودانية داخلية، شاركت عوامل عرقية وإقتصادية وسياسية خاطئة "من طرفي الأزمة" فى ظهورها، إلا أن الرغبة في الهيمنة من قبل الحلف الغربي، وبمباركة ومساندة إسرائيلية حولت هذه المشكلة إلى "قضية دولية" تجاوزت حتى الأطر الأفريقية الضيقة. ترى أين الحقيقة فى هذه الأزمة، وما هي أبعادها الحقيقية، وإلى أين تأخذنا خطتها؟



 

فى البداية تحدثنا الحقائق على الأرض أن دارفور تعادل مساحتها خمس مساحة السودان وتقدر المساحة بـ1964.4 ميل مربع وهي متاخمة لثلاث دول أفريقية بشريط حدودى نحو 1300 كيلو متر، ويسكنها 6 ملايين نسمة. وفي تمازج عرقي وثقافي لهجرات عربية وأفريقية، نتج مجتمع دارفور. تتوزع قبائله على 80 قبيلة تتداخل مع دول الجوار، تمتاز دارفور بتنوع البيئة والمناخ ويمتهن أهلها الزراعة والرعى بالإضافة إلى تجارة الحدود، وترتبط حيازة الأرض في دارفور بالسلطة ومسمياتها -سلطان، ملك، ناظر، شرتاي، فرشة، عمدة، شيخ- وترتبط بالنشاط الإقتصادي وتحركات القبائل الرعوية طلباً للمياه والكلأ.

ويحدثنا التاريخ أنه عادة ما تنشأ نزاعات حول الموارد بين الذين يمتهنون الزراعة والذين يمتهنون الرعي، وكانت تسوى في حينها حسب الأعراف السائدة من قبل الإدارة الأهلية وبرعاية دولية، وأفضى الأمر لنظام متفق عليه يحكم مسارات الرحّل وينظم العلاقة بين المزارعين والرعاة.
ولكن السؤال الآن الذي يحتاج القارئ العربي إلى إجابة صارمة عنه بعد كثرة الإجابات المضللة وبخاصة من الإعلام الغربي هو: كيف بدأت أزمة دارفور؟
حقائق تدحض محاولات التزييف
إن الحقائق والخلفيات التاريخية تقول لنا الآتي:
1- لقد تم إحصاء 36 نزاعاً مسلحاً حول الموارد والثأر في الفترة من 1936 حتى 2001 كانت تدور بين القبائل المنحدرة من أصل واحد، كما تدور بين قبائل من أصول مختلفة.

2- قبل تفاقم المشكلة بين المجموعات المسلحة في دارفور والحكومة فى الفترة من 16/8/2002 إلى أبريل 2004، نظمت الحكومة عدة مؤتمرات قبلية وأرسلت وفوداً من قيادات قبيلة الفور والزغاوة للتفاوض مع حملة السلاح وأرسلت وفدا رفيع المستوى يضم وزيري التربية الإتحادية ووالي نهر النيل -من أبناء دارفور- بالإضافة إلى 31 شخصاً من أبناء دارفور ودارت مفاوضات قادها الفريق إبراهيم سليمان وسلطات الولاية مع المجموعات المسلحة وتم التوصل لاتفاق لتسوية القضية فبدلاً من أن ينفذ هذا الإتفاق حدث الهجوم على مدينة الفاشر في أبريل 2003.

3- أول هجوم للجماعات المسلحة تم على مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور في 25/4/2003 وهجوم كتم في 1/8/2003 ومليط أغسطس 2003 وكليس وبرام وطويلة تم فيه:

* الاعتداء على القوات المسلحة وقتل 70 شخصا.
* حرق الطائرات.
* تدمير المرافق العامة والمستشفيات في كليس وكتم ومليط وبرام.
* الاعتداء على رموز السلطة العامة -القضاء ووكلاء النيابة والإعتداء على بعض رجال الإدارة الأهلية-.
* وحرق العديد من المواطنين.
* مهاجمة قوافل الإغاثة.
* قطع الطرق ونتج عنه شح فى الموارد التموينية وارتفاع الأسعار.
هذه الوقائع لم تنقل بصورتها الإعلامية الدقيقة وتم إستغلالها إعلامياً وسياسياً لتظهر في صورة -إبادة جماعية، وإنتهاك حقوق الإنسان، وتصفية عرقية، إلخ- لخدمة أغراض سياسية وبالتالي جنحت بعض المنظمات إلى المبالغة في أعداد القتلى والاعتماد على معلومات غير دقيقة أفرزت الإهتمام الدولي بالمشكلة وتوجيه إتهامات للسودان بالتطهير العرقي والإبادة الجماعية والإغتصاب المنظم وهو أمر غير صحيح.

فبالنسبة للإتهام بالإبادة الجماعية خلصت لجان التحقيق التي ناقشت الإتهام على ضوء قانون حقوق الإنسان وأحكام القانون الدولي الإنساني والنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية والسوابق التاريخية وصلت إلى الآتي:
* ما حدث بالرغم من جسامته لا يشكل جريمة الإبادة الجماعية حيث أن شروطها لم تتوافر فلم يثبت أن إحدى المجموعات المحمية وهي الوطنية أو الدينية أو العرقية أو القومية وقع عليها ضرر جسدي أو عقلي أو أخضعت لعوامل معيشية قصد بها هلاكها كلياً أو جزئياً وتم ذلك بسوء قصد، فما حدث لا يشبه ما جرى في رواندا أو البوسنة أو غيرها -حيث الدول تنتهج جملة سياسات تؤدي إلى هلاك إحدى المجموعات المحمية-.
* رأت اللجان وصف ما حدث بأنه إبادة جماعية كان نتيجة لأرقام مبالغ فيها تتعلق بالقتلى ولم تثبت في التحري.
وفي مسألة أخرى وهي قتل المدنيين، أكدت الحقائق التي رشحت من هذا الصراع على أن كثيراً من حوادث القتل ارتكبته مختلف القبائل ضد بعضها في مناخ الصراع الدائر في بعض المناطق مثل مسانيا وليبه وشظايا وأن المعارضة المسلحة قتلت المدنيين، عزلا وجرحى وعسكريين في مستشفى برام وأحرقت بعضهم أحياء وأن القوات المسلحة قصفت بعض المناطق التي تحمي بها عناصر من المعارضة المسلحة، الأمر الذي نتج عنه قتل بعض المدنيين، وقامت القوات المسلحة بإجراء تحقيقات في هذا الأمر وعوضت المتضررين بمناطق قبيلة أم قوزين وتولو وتحقق في حادث ود هجام.

أما بالنسبة للاتهام الخاص بقيام حكومة السودان بالإعدام دون محاكمة فإن الحقائق المتوفرة أكدت أنه لم تثبت وقوع حالات إعدام بلا محاكمة وأوصت لجان التحقيق بتحقيق قضائي مستقل لأن الأقوال التي تم الإدلاء بها لا يجوز قبولها كبينة أمام أي محكمة عملاً بنص المادة "2" من قانون لجان التحقيق لعام 1954 التي تنص على أنه "لا يجوز قبول أي أقوال أدلي بها أثناء أي تحقيق يجري بخصوص هذا القانون كبينة أمام أي محكمة سواء كانت مدنية أو جنائية".

أما عن جرائم الإغتصاب والعنف الجنسي فلقد أثبتت الحقائق التاريخية الآتي:
* من واقع تقارير اللجان القضائية المفصلة فقد ثبت أن حوادث الإغتصاب والعنف الجنسي لم ترتكب بطريقة ممنهجة وأن تلك الجرائم سجلت ضد مجهولين -ولم ترتكب على نطاق واسع- الأمر الذى لا يحسب كجريمة ضد الإنسانية.
* توجيه الإتهام لعدد من الأفراد منهم "10" من القوات النظامية، رفع وزير العدل الحصانة القانونية عنهم وتجري محاكمتهم.
* تمت تلك الجرائم بشكل فردي في مناخ الإنفلات الأمني.
* تم تصوير مشاهد لعملية إغتصاب جماعى ملفقة بغرض عرضها خارج السودان واعترف المشتركون بها أنه تم إغراؤهم بمبالغ مالية مقابل المشاركة في تمثيل المشاهد.
أما عن الإتهام الموجه لحكومة السودان بالتهجير القسري فلقد أكدت الوثائق المتوفرة على ما يلي:
* التهجير القسري كان مكونات جريمة التطهير القسري بمعنى ترحيل جماعة عرقية أو جماعة تتحدث لغة واحدة أو تغلب عليها ثقافة معينة من أرض استقرت بها تلك الجماعة قانونياً إلى منطقة أخرى وأن يتم ذلك قسراً أو بالعنف وهو بهذا المفهوم جريمة ضد الإنسان، ما يحدث أن بعض المجموعات من القبائل العربية هجمت على منطقة برام قريبة "مدانية وأم شكوكة" مما أدى إلى نزوح بعض المجموعات ذات الأصول غير العربية وقد شرعت السلطات بمعتمدية كاس في إعادة تصحيح الوضع وإعادة الممتلكات إلى أصحابها، وأمرت لجان التحقيق أن يتم تحقيق قضائي في ذلك واتخاذ الإجراءات القانونية تجاه الذين يثبت تورطهم.
* القرى التي تم حرقها في مناطق تليس الجنينة ووادي صالح وكأس فقد رأت اللجنة أن مسؤولية حرق القرى تقع على كل الأطراف في مناخ الصراع وتشكل قبيلة الفور أغلب سكانها وعليه فإن جريمة التهجير القسري لم تثبت فيها.
* إن ما وقع من أحداث أدى إلى نزوح عدد كبير من المواطنين وأثار الفزع مما جعل كثيرا من المواطنين يترك قراه وينزح للمعسكرات، وكانت القبائل تستضيف من نزح إليها ولا تستقر قبيلة فى دار قبيلة أخرى قسراً.

قرار مجلس الأمن أضاع السلام
من ناحية أخرى يؤكد المراقبون أن استعجال مجلس الأمن لإصدار قراره 1706 أدى إلى ضياع قضية السلام وأدخل الخرطوم في مواجهات مع مجلس الأمن وعقد إجراءات وتطبيق الحل السلمي.
وبالرغم من ذلك فقد قامت الحكومة بحزمة من الإجراءات القضائية والقانونية والسياسية التي حاولت بها حل المشكلات الإقليمية، وفي هذا الصدد شكل الرئيس السوداني لجنة تقصي حقائق بموجب القرار 97 لسنة 2004 وأصدر كذلك "4" مراسيم جمهورية تعلقت بإنشاء هيكل السلطة الإنتقالية في دارفور ولجنة تعويضات المتضررين من الحرب ولجنة إعادة التأهيل والتطوير ولجنة ترسيم الحدود الشمالية لدارفور والشروع في تنفيذ خطة السودان التي قدمها للأمين العام للأمم المتحدة وإجراءات عقد الحوار الدارفوري/ الدارفورى مع تحسين الأوضاع الأمنية في إقليم دارفور وتشكيل لجنة عليا من الرئيس ونوابه.

وأنجزت الاتصالات مع الذين لم ينضموا للاتفاق وتم إصدار مرسوم جمهوري بإنشاء صندوق لإعادة الإعمار والتنمية في دارفور.
هذا وقد أكدت رئاسة القطاع الثاني لبعثة الإتحاد الأفريقى في حديث لوفد السفراء الأفارقة في جنيف الذي زار رئاسة القطاع أن الوضع الأمني العام شهد هدوءا خلال الشهرين الماضيين وأنها حققت تقدماً كبيراً تجلت مظاهره في ما يلي:
* قامت الحكومة السودانية بمراقبة وقف إطلاق النار وحماية الأفراد والنازحين ووكالات العون الإنساني.
* الإسهام في عقد الاجتماعات والحوارات لتحقيق المصالحات القبلية.
* القيام بعمليات بناء الثقة لخلق بيئة آمنة خاصة للنازحين الذين عاد بعضهم بصورة طوعية لمناطقهم الأصلية.
* تحديد المسارات مما ساهم في تقليل النزاعات بين الرعاة والمزارعين.
* هذا وقد أكمل القطاع عمل الخرائط التي تحدد المناطق منزوعة السلاح والمناطق العازلة إستعداداً للدخول في المرحلة الثانية من اتفاق سلام دارفور.
* أيضاً تقوم الحكومة السودانية حالياً بشرح أهمية إتفاقية سلام دارفور وسط النازحين والفصائل الأخرى مشيراً إلى عقد اجتماعات للمضي قدماً في تنفيذ إتفاقية السلام.
تلك هي بعض جوانب أزمة دارفور التي تحاول واشنطن عرقلة كل إتفاقات السلام فيها لتتصارع على جثث السودانيين مع الصين أو فرنسا من أجل النفط.
إن هذا الغرب لا ينطلق في دفاعه المزعوم عن قضايا حقوق الإنسان في دارفور من منطلق إنساني بل من منطلق المصالح والأطماع وعلى كافة الأطراف السودانية أن تدرك هذا جيداً وأن تبادر بحل قضاياها بمفردها، بعيداً عن واشنطن وتل أبيب.
 
--------------------------------------------------------------------------------

المصدر: العرب اون لاين


 

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement