مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط


 

 




الصفحة الرئيسة > السودان > المقالات والدراسات > المشروع الاستعماري الغربي لاحتلال إقليم دارفور
المشروع الاستعماري الغربي لاحتلال إقليم دارفور نسخة للطابعة ارسال الی صديق
1. يرد استهداف السودان الجاري الآن ضمن السياق العام للأهداف الكونية لاستراتيجية المحافظين الجدد واليمين الديني الاصولى المتطرف في شقيه الأمريكي والصهيوني ومراكز القوى التي تشكل عصب المركب الصناعي – العسكري – التبشيري الممسك بزمام صناعات النفط والسلاح والإعلام والراسمال.

2. كانت أول الإشارات ذات الدلالات الموحية لذلك تمثلت في مذكرة المحافظين الجدد إلى الرئيس بيل كلينتون في يناير 1998م والتي اشتملت على مطالب أبرزها ضرورة العمل على بناء الإمبراطورية الأمريكية الكونية وإعادة هيكلة وإخضاع منظمة الأمم المتحدة والعمل على التأكيد علي عدم الاعتراف بالمنظمات المدنية المتعددة الأطراف والاتفاقات الدولية باعتبارها قيداً للسياسة الخارجية الأمريكية علي تصفية وإسقاط ستة من أنظمة الحكم العربية الإسلامية من ضمنها نظام الحكم في السودان والسعي إلى طمس الهوية العربية الإسلامية وثقافتها وإخضاع مكوناتها للأمركة والتذويب إضافة إلى أحكام السيطرة على الثروة النفطية العربية وحماية وتأمين إسرائيل وإعتماد سياسة الحرب الإستباقية كأيدلوجية عسكرية للسياسة الخارجية الأمريكية.

3. عندما وصل المحافظون الجدد إلى الحكم في أمريكا عام 2000م بدأ الشروع الفوري في أنفاذ إستراتجيتهم المعلنة على الأرض والتي كان من حصادها احتلال أفغانستان والعراق واستهداف الأقطار المشار إليها في المذكرة المشهورة والعمل على تفكيك وتفتيت البناء المجتمعي العربي الإسلامي على أسس عرقية وعنصرية وطائفية ومذهبيه و تكريس قاعدة المحاصصه في قسمة السلطة والثروة والإدارة لإحداث شروخات عميقة غير قابلة للالتئام في شكل ومحتوي الدولة القطرية العربية.

4. كانت الملامح البارزة في إنفاذ تلك الاستراتيجية في السودان تتجسد في العناصر الآتية :
أ‌. احتواء نظام الحكم الإسلامي في السودان من الداخل لأجل إسقاطه بعد أن فشلت محاولات إحتواءه من الخارج في ظل إدارة الرئيس كلنتون.
ب‌. استثمار حالات الوهن والضعف الساكنة في التركيبة الاجتماعية والإنسانية لشمال السودان العربي المسلم لضرب أسفل جدارها بآثاره الفتن وتغذية الصراعات ووضع العربي المسلم في مواجهة الإفريقي المسلم وتعميق مكونات الأزمة التأريخية في علاقات شمال السودان وجنوبه.
ج. إعادة هيكلة وترتيب الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لصالح مشروع السودان الجديد القائم على مرتكزي الأفرقة والتنصير وإضعاف دور المكون العربي الإسلامي في الثقافة والمجتمع والسلطة في السودان برفع شعارات مناهضة "الجلابة" ومصطلح الجنجويد.
د. التحكم والسيطرة علي بسط موارد السودان البكر التي لم تمسها يد الاستثمار والتوظيف التنموي الراشد والمنظور إليها باعتبارها واحدة من أكبر الثروات الخام في العالم الثالث "زراعية وغابية، ومائية ، ومعدنية ، ونفطية ...الخ " .

5. ولتلك التقديرات كان التحالف الأمريكي الأوروبي وسنده الإفريقي وخاصة في أفريقيا جنوب الصحراء حاضراً في تسوية نيفاشا التي أوقفت الحرب بين الشمال والجنوب وأعطت الجنوب ثقلاً سياسياً واقتصادياً وعسكرياً بأعلى من وزنة وحجمه.

6. تواصل إنفاذ استراتيجية ضرب أسفل جدار السودان وخاصة جداره العربي الإسلامي بعد اتفاقية نيفاشا بتفجير الأوضاع في إقليم دارفور عام 2003م وتأزيم الأوضاع في شرق السودان واستخدام أريتريا كواجهة في إحداث ذلك التأزيم لشد أعصاب وموارد وقدرات الدولة وإهدار طاقاتها البشرية والاقتصادية، خاصة بعد دخول عائدات النفط في دورة الاقتصادي الوطني ونشير هنا إلى أن الدولة صرفت على حزمة مجهودات السيطرة على الفتنة في دارفور في أقل من ثلاثة سنوات أكثر من 800 مليار دينار سوداني أي حوالي 400 مليون دولار أمريكي.



7. إقليم دارفور يزخر بالثروات والموارد ويشكل العرب أكثر من 65% من سكانه ، والمتبقي من السكان كلهم مسلمون يتحدثون اللغة العربية ومن ضمن الثروات الكامنة في دارفور يأتي النفط واليورانيوم والنحاس والثروة الحيوانية في الصدارة ولهذا تأسست الاستراتيجية الأمريكية والأوربية على فصل الإقليم من السودان بتأسيس كيان مستقل

 مع العمل على بناء انبوب لنقل بترول الإقليم بعد استخراجه وربطه بالأنبوب التشادي الذي موله البنك الدولي بأكثر من ثلاثة مليارات من الدولارات لنقل خام دارفور وتشاد إلى ميناء دوالا في الكاميرون على المحيط الأطلسي.

8. يصعد الجذر التأريخي لواقع الأزمة الراهنة في دارفور إلى عجز النخبات الوطنية المدنية والعسكرية التي آل إليها زمام الأمر في السودان في إحداث تغييرات هيكلية جذرية تهدف إلى إزالة واقع التخلف الاقتصادي والاجتماعي المتوطن في الإقليم وتؤسس لقاعدة راسخة للتنمية الشاملة ... ومما فاقم من حدة تلك الأزمة وتعقيدها أكثر وتحويلها إلى حالة صراعية بين قبائل الرعاة والمزارعين ازدياد حدة التنافس علي موارد طبيعية محدودة أصلاً ساهمت موجات الجفاف والتصحر في اقتطاع مساحات مقدرة من مصادر إنتاجها.
وقد شكل ذلك الواقع المزري بيئة مواتية للاحتجاجات الصاخبة الرافضة لواقع الظلم الذي حاق بالاقليم وهي إحتجاجات اختلط حابلها بنابلها وتعددت دوافع أوراقها وأجندتها عندما تحولت إلى نشاط تمردي مسلح في العام 2003م.

9. وندلل على رغبة الغرب الأمريكي والأوروبي وإسرائيل على احتلال دارفور وفصلها من السودان بإبداء بريطانيا واستراليا إستعدادهما لوضع 5 ألف جندي في عام 2003م للتدخل في دارفور كما أعلنت فرنسا عن إعادة انتشار قواتها في التشاد تمهيداً للتدخل في دارفور وكذلك إعلان رئيس اللجنة العسكرية لاتحاد الأوروبي غوستاف هاغلان بأن قوة عسكرية أوربية قد تتدخل في دارفور ، كما أعلنت ألمانيا موقف مشابهاً، وكانت الحجة المعلنة للتدخل هي وقف (الابادة الجماعية) (والاغتصاب) (والتطهير العرقي) وهي اتهامات تماثل تماماً أكاذيب أسلحة الدمار الشامل العراقية التي تم بموجبها احتلال العراق .

10. ظلت السياسات الغربية المستهدفة للسودان توظف جيرانه من الأفارقة كأدوات لتأزيم وتفجير الأوضاع في السودان وظلت تلك السياسات سائدة طيلة حقبتي كلتنون في الإدارة الأمريكية وفُعلت بشكل مركزي لدي وصول المحافظين الجدد واليمين الديني الأصولي للحكم الأمريكي في عام 2000م حيث تحولت سياسة إحتواء السودان من الخارج إلى إحتواءه من الداخل عندما انفجرت الأوضاع في دارفور في أعقاب توقيع اتفاقية السلام كانت قوات الاتحاد الإفريقي

 المعززه بالتمويل وبالتجهيزات الغربية في مقام الخيار المرحلي لقوات التحالف الأطلسي في دارفور في مراقبة وحفظ الاستقرار في دارفور وذلك لاعتبارات وأسباب متعددة أبرزها الخوف من تفاعلات وتداعيات احتلال العراق وأفغانستان وابتزاز سوريا ولبنان والإبادة المنهجية للفلسطينيين مع صعود قوى وتيارات المقاومة في لبنان وفلسطين والعراق وانغماس الولايات المتحدة في الوحل العراقي حتى لجُم خيلها .

11. أن المشروع الإمبراطوري الأمريكي للألفية الثالثة لا يسير وفقاً لحسابات وتقديرات المحافظين الجدد فهناك العديد من حالات الإخفاق المحورية في الداخل الأمريكي وفي الخارج في أمريكا اللاتينية وأكرانيا ووسط آسيا وافغانستان وفلسطين، إلا أن الحالة العراقية تشكل كعب أخيل ذلك المشروع مع ذلك فأننا لا نراهن على فكرة انهيار المشروع وتراجع دهاقنته عنه فهم يطرحون الآن بأن السودان يمكن أن يشكل بديلاً واحتياطياً للعراق فيما إذا تعذرت وأخفقت سيطرتهم على الأوضاع الجامحة هناك ولهذا تم استخدام وتوظيف الاتحاد الإفريقي كآلية يمكن أن تمهد الطريق لاحتلال دارفور باستخدام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة خاصة وأن الأمين العام للمنظمة الدولية هو في طوع البنان الأمريكي وغارق حتى أذنيه في مستنقع فساد النفط مقابل الغداء .
وهكذا تأسس التحالف المناهض للسودان والمعادي لوحدته وهويته وثفافته من الولايات المتحدة وإسرائيل والاتحاد الأوروبي والقطاع الأغلب من دول الاتحاد الإفريقي وقد تجلي دور الاتحاد الإفريقي في إطار ذلك التدبير في واقعة التآمر مع الولايات المتحدة وأوربا في انتزاع حق السودان في رئاسة دورة الاتحاد الإفريقي التي انعقدت في الخرطوم الشهر الماضي وكذلك في توصية مجلس الأمن والسلم الإفريقي في اجتماعه رقم 45 في يناير 2006م على مستوى المندوبين الدائمين واجتماعه رقم 46 في مارس 2006م على مستوى وزراء الخارجية بتفويض وتخويل ولايته في مراقبة حفظ السلام في دارفور والإشراف على مفاوضات أبوجا والتي جاءت بتكليف من حكومة السودان إلى الأمم المتحدة وذلك بداً 1/10/2000م وذلك بدعوى عدم وجود موارد مالية تعزز من استمرارية دور قوات الاتحاد الإفريقي في دارفور .
يؤخذ في الحسبان أن مخطط نقل ولاية الأمم المتحدة على الأوضاع في دارفور جاءت بتنسيق كامل بين الإدارة الأمريكية وقيادة الاتحاد الإفريقي وبإسناد من الاتحاد الأوروبي تحت لافتة الشراكة بين الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة .
وصدر قرار مجلس الأمن الدولي في اجتماعه يوم 24/ مارس / 2006م قابلاً للتوصية "المبدئية" الصادرة من مجلس الأمن والسلم للاتحاد الإفريقي في اجتماعه رقم 46 في 10/ مارس/ 2006م وكلف المجلس الأمين العام للأمم المتحدة لبلورة خيارات لإنفاذ قرار مجلس الأمن الدولي في فترة أقصاها يوم 23/4/2006م وذلك أمر يعني تدخلاً أجنبيا احتلالياً لإقليم دارفور مما يؤدي بالفعل إلى تعقيد الأوضاع في الإقليم واتساع رقعة الصراع الأهلي وسط السكان وإغلاق منافذ التسوية السلمية بين الحكومة والتمرد كما يقود ذلك الأمر إلى تفجير سلسلة من التوترات والصراعات على امتداد إقليم غرب إفريقيا .

12. أن ما يخطط ويدبر لإقليم دارفور والسودان بكامله لا ينفك عن الأهداف الكلية للإستراتيجية الكونية الأمريكية التي تستهدف بشكل مركزي كل الوطن العربي جغرافية وبشراً ووجوداً وموارداً كما تستهدف كذلك الاستحواذ على ثروات القارة الإفريقية لصالح الشركات متعددة الجنسيات.
المصدر:
مركز دراسات الشرق الاوسط و افريقيا للدراسات الاستراتيجية والإنمائية

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement