|
مبارك في خدمة المشروع الصهيوني الأمريكي |
|
|
|
بقلم: هشام الناصر
22/11/2007 الموافق 11 ذي القعدة 1428 هق
مخطط "الشرق الأوسط الجديد" يضع أمتنا العربية على شفير الفناء.
الناظر إلى طبيعة التمزقات التي يقترحها هذا المخطط، سيدرك أن الفناء المحتمل حقيقة واقعية وليس مبالغة لفظية. وخاصة بعدما اتضحت النوايا الصهيو-أمريكية في تقسيم العراق وتهديد سوريا وضرب إيران الإسلامية وإتمام إعداد المخططات العملياتية - Operational- وتحديد وقت التنفيذ.
ولكن إنقاذ الأمة العربية لن يتأتي إلا بإنقاذ مركزها و"رمانة ميزانها"، وهي مصر التي تم إختطافها أولا، منذ السادس عشر من أكتوبر-تشرين الأول 1973 - وليعد المؤرخون والمهتمون بالتدقيق والتفصيل إلى ما حدث في ذاك اليوم المشئوم، من المصادر العربية -محمد حسنين هيكل وسعد الدين الشاذلي- ومن وثائق وأرشيف الدول الكبرى -ومن الموسوعات العالمية ومن الوثائق الإسرائيلية، وليعودوا -وهو الأهم- إلى الواقع المادي الملموس والناتج المحسوس.
قد نختلف أو نتفق على تاريخ الإختطاف، فالبعض يرجعه إلى فجر السابع من أكتوبر 1973 والبعض يرجعه إلى تاريخ زيارة الرئيس المصري السابق محمد أنور السادات إلى القدس 1977 والبعض يرجعه إلى تاريخ معاهدة السلام 1978 والبعض يرجعه إلى العام 1991 -المشاركة في حرب "تحرير الكويت" وإعطاء الشرعية للقوات الأنجلو-أمريكية لإحتلال أراض عربية-، المهم هو الإتفاق على الإختطاف ذاته بغض النظر عن ميقاته -وهو الأمر الذي أشار إليه هيكل في حديث له منذ أيام-.
"مصرنا المحروسة" أبتليت بكوارث متتالية كنذائر تحذيرية لنكبات مستقبلية، كما ابتليت بأكثر من مائة ألف ضحية في ربع القرن الأخير ما بين قتيل وجريح ومعتقل وأضعافهم من اليتامى والثكالى، في حوادث إهمال وفساد وسائل المواصلات فقط.
فحوادث المواصلات وحدها دون غيرها، وفي الممارسات الأمنية لقانون الطوارئ المسلط على الرقاب منذ ربع قرن من الزمان -من 20 إلى 25 ألف معتقل سياسيا-.
ابتليت مصر بحوالي 27 ألف مصاب في السنوات الست الأولى من الألفية الثالثة في حوادث القطارات وحدها وهي وسيلة الفقراء -6 آلاف قتيل و21 ألف جريح- ويضاف إليهم ألف قتيل في فاجعة غرق العبارة مصرية الأخيرة منذ أقل من العام ليرتفع رقم الضحايا إلى 28 ألف ضحية -7 آلاف قتيل و21 ألف جريح- أي سبعة أضعاف الخسائر اللبنانية في جولة الصراع العربية الإسرائيلية السادسة.
مائة ألف ضحية عدا ملايين الجائعين وعشرات الملايين من المرضى نفسيا وعضويا ومن العاطلين المعطلين ومن الشباب المحرومين من السكن -فصاروا من أهل العنوسة- ومن المقهورين كمدا وغمدا من طوفان الفساد الذي عم البلاد، ومن آلاف الموتى الأحياء أو الأحياء الموتى الذين انتهكت حرماتهم وشرفهم وحرماتهن وشرفهن في سلخانات المنظومة الأمنية، وهذا بإغفال مئات المليارات المنهوبة نقدا وعينا من موارد البلاد والملكية العامة للعباد -وهي قد فاقت التريليون-.
خسائر مصر من المال والأفراد في ربع قرن من السلام تعادل أضعاف خسائرها في أربع حروب وعبر ستة عقود. هذا عن النواحي المادية بدون حسابات خسائر سياسية أخرى قد لا يهتم بها المواطن البسيط مثل تدني مكانة مصر الإقليمية والعالمية وتداعياتها.
الحالة الراهنة في مصر قد تجاوزت صفة الأزمة لتصل إلى حافة الكارثة وهو الأمر الذي يجعلها ومن المؤكد "نقطة تحول" -Turning Point- إلى الأسوأ في مصير الأمة ككل.
ولإيضاح بعض معالم المخطط، ربما يجب الإلتفات إلى النقاط التالية:
1 - إن القراءة الصحيحة للصراع الحادث الآن بين المحور الأمريكي الإسرائيلي العربي الموالي وبين المحور الإيراني السوري الفلسطيني اللبناني -حزب الله- تؤكد حتمية حدوث ضربة قادمة وشيكة من المتوقع لها أن تكون قبيل الإنتخابات الرئاسية الأمريكية في العام 2008 . تلك الضربة ستكون، في الأغلب، بواسطة إسرائيل - ويلاحظ أن التصريحات الإسرائيلية الأخيرة تؤكد على ضرورة تحركها بشكل منفرد تجاه الملف النووي الإيراني.
ولا يخفى على المحللين والمراقبين مناورة أو قل خدعة تسليح إسرائيل بمئات القذائف الذكية عالية التدمير -وهي تمثل الجيل الجديد الذي يجمع بين خصائص الأسلحة التقليدية والنووية وتم إستخدام القليل منها في العراق وخاصة في معارك المطار الشهيرة- - تلك الأسلحة التي تم تبرير شحنها إلى إسرائيل تحت غطاء القتال ضد حزب الله في لبنان ولم يتم إستخدام إلا القليل منها كتجارب عملية.
يضاف إلى ذلك إمتلاك إسرائيل لمنظومة غواصات نووية ألمانية يقدر عددها بثلاث -مؤكدة- وإثنتين في الطريق كتعاقد جديد -إن لم يكن قد تم تسليمها بالفعل ويجيء إعلان التعاقد لأغراض داخلية المانية-، وهي غواصات عالية التقنية قادرة على حمل صواريخ بالستية ورؤوس نووية ومخطط لها أن تكون دعما قويا إضافيا إلى منظومة الطيران الإسرائيلي المتوقع له مسار طيران -إسرائيل - الأردن - العراق – إيران-.
مصادر الهجوم المتوقعة على إيران ستكون مؤلفة من ثلاثة عناصر هي:
ضربات جوية بحشد كبير وإستعمال مكثف للإعاقة الإلكترونية. وإستخدام الصواريخ البالستية شديدة الدقة عالية التدمير من مجموعة الغواصات الإسرائيلية الألمانية الصنع المتواجدة بمسرح العمليات القريب. وأخيرا مجموعات عمل موجودة بالفعل منذ شهور ومجموعات أخرى تم إستقطابها. ومن الجدير بالذكر أن تفجيرات المفاعل العراقي قد جاءت بتزامن من داخله -عملاء ويقال أنهم من الفنيين الفرنسيين- ومن خارجه -قصف جوي بطائرات إسرائيلية-.
السيناريو المخطط له لضرب إيران سيتم تصويره على كونه إسرائيليا-إيرانيا بمساعدة أمريكية -غير مباشرة- لإسرائيل ويهدف إلى أحداث أضرار كبيرة بالمشروع النووي الإيراني وتدمير بنيته ويكون قادرا على تحمل إسرائيل للضربة الإيرانية المضادة -من المتبقي من قواذف الصواريخ- عن طريق إعتراضها بمنظومة صواريخ أرض جو -نسبة كفاءة الإعتراض قد تصل الى 75 أو 80%-، وباستخدام مكثف لطائرات الإعتراض -Interceptors- بصواريخ جو جو، وبمعونة منظومة كشف راداري وتوجيه أمريكية عالية التقدم -نظام "أواكس" مدعوم بإتصالات الأقمار الصناعية وبمنظومة حاسبات عملاقة للتوجيه-.
وهناك فارق كبير بين إعتراض صواريخ بالستية -ذات زمن إعتراض كاف لبعد المسافة وكبر الحجم- وبين إعتراض صواريخ "حزب الله" صغيرة العيار بزمن إعتراض قليل.
وستبدو الولايات المتحدة بعيدة عن الإشتراك الفعلي المباشر أمام الرأي العام العالمي وهو الأمر الذي يعطيها المبرر "الأخلاقي" أمام المجتمع الدولي والأمريكي في ضرب إيران بالسلاح النووي التكتيكي إن قامت بالإعتداء على قواتها في العراق أو في الخليج.
الضربة النووية التكتيكية تعفي الولايات المتحدة من مهام ومجهودات أعمال حشد القوات والعتاد في مسرح العمليات المتوقع على النحو الذي رأيناه في أعمال الجنرال نورمان شوارتسكوف في العام 1991 وفي أعمال الجنرال تومي فرانكس في العام 2003. وأي رد إنتقامي إيراني بالمتبقي من قدراته -أو المخبأ منها- ضد القوات الأمريكية في المنطقة سيواجه بمزيد من الضربات النووية الأمريكية.
ولا ننسي التهديد الأمريكي الصريح إلى نظام صدام حسين في العام 1991 بضرب بغداد بالقنابل النووية في حال إستخدامه أسلحة كيماوية أو بيولوجية - وبالقطع فإن القيادات الأمريكية لم تكن تمزح أو تطنطن.
2 - هذا السيناريو الجنوني سيتم في مناخ رضاء تام غير ممانع أو إستسلام خانع من "الترويكا العربية"، وهو سيناريو قابل للتصديق لعوامل عديدة منها أنها فرصة المقامرة الأخيرة لليمين الأمريكي المحافظ في تحقيق أهدافه -الدينية العقائدية - المشروع الإمبراطوري - المصالح الشخصية- قبل الدخول في مجهول الكونغرس الجديد.
ومنها الشخصية السيكوباتية والنزعة الإمبراطورية وإدعاء الوحي السماوي الملهم - Inspiration of diving guidance- للرئيس الأمريكي جورج بوش الابن على غرار الرئيس السابق ويليام ماكينلى في نهايات القرن 19 وبدايات العشرين.
ومنها الخط الأحمر الذي وضعته إدارة بوش - تحدث عنه سيمور هيرش- في رفض وصول إيران إلى مستوى معين من التخصيب، ومنها التحريض الإسرائيلي المتكرر باعتبار أن مشروع إيران النووي يهدد بقاء الكيان الإسرائيلي ذاته.
والخلاصة .. إن ضربت إيران وخرجت من معادلة القوى في المشرق العربي فستقع سوريا تلقائيا وسيتم تحقيق مشروع "الفاتيكان الإسلامي" كهدف إستراتيجي لمخطط "الشرق الأوسط الجديد"، أما مصر- مبارك فهي الجائزة الكبرى التي ستكون تماما تحت الإحتلال الإسرائيلي - بفرض الإرادة - وستكون أكبر "مستودع بشري" في مشروع الشرق الأوسط الجديد ونقطة الإنطلاق الكبرى لإسرائيل إلى المشرق العربي وإفريقيا وسيتم حل القضية الفلسطينية بمنحة أرض قد تصل إلى مدينة العريش- قدرها بعض المحللين بحوالى 1500 كم مربع-، وسيتحقق حلم إسرائيل الأكبر: من الفرات -سوريا والعراق- إلى النيل -مصر-، ومن الأرز -لبنان- إلى النخيل -خيبر بالسعودية.
وبغض النظر عن إختلافنا أو إتفاقنا على طبيعة النظام الإيراني وخصائصه وطموحاته الإقليمية، فلنا جميعا أن نغمض أعيننا ونتخيل فراغ الساحة الإقليمية من القوة الإيرانية التي تعيق حاليا تحقيق المشروع الأمريكي والمشروع الإسرائيلي ومن ثم نتصور ما هو مستقبل المنطقة ومستقبلنا الذي سيكون حينذاك؟
3- الحقيقة المراد توضيحها هي إنهيار منظومة الأمن القومي المصري في حدها الجنوبي - منابع النيل ومساره - وفي حدها الشرقي - نزع سلاح سيناء وعدم وجود خط دفاع محدد، وذلك مع وجود إتفاقية تغل يد القوات المسلحة المصرية في تخطيط وإعداد مسرح عملياتها الرئيسي في الشرق.
أما الأخطر والأهم فهو إختلال منظومة الدولة ذاتها - باعتبارها مجموعة من المكونات الوظيفية من أفراد ومؤسسات وتجمعات تتفاعل فيما بينها لأداء مهامها لتحقيق هدف قومي يحقق الأمن والبقاء - ويتم هذا تحت إدارة وسيطرة تمثلها السلطة- فهناك إنعدام لرؤيا واضحة أو مشروع قومي محدد لمنظومة الدولة، وهناك ضعف ووهن في مكونات المنظومة من مؤسسات وأفراد، وهناك بوادر وظواهر في ضعف الإنتماء، وهناك ضعف في الإدارة والسيطرة، وهناك قصور في تفاعل المنظومة مع البيئة الخارجية -العربية والإسلامية والدولية- أي في السياسة الخارجية، وهناك أعراض أمراض إجتماعية تهدد بتفسخ نسيج المجتمع وإنحلاله وإنحداره،...
4- كافة المقدمات والمتغيرات الحادثة في المحيط العربي والدولي تشير إلى أن مصر الآن تشارك في محور يلعب دور الشريف حسين في الثورة العربية الكبرى التي مهدت، لهزيمة الإمبراطورية العثمانية، لإتفاقيات سابكس-بيكو.
ولا يحتاج المرء الكثير لإدراك مدى إنصياع الإدارة المصرية التام للأجندة الأمريكية. فقد ظهر هذا جليا في المساعدة في عملية إستنزاف القوتين العسكريتين العراقية الإيرانية في حرب الثماني سنوات لصالح إسرائيل.
وظهر أيضا في المشاركة المصرية العسكرية الكبيرة -فرقتين عسكريتين- في حرب العراق فى العام 1991، وفي دورها الفعال في حرب إحتلاله في العام 2003، وفي معاداة النظام الإيراني والتصويت ضده في المحافل الدولية، وفي الهجوم على الشيعة العراقيين والطعن في ولائهم الوطني، وفي الموقف المتخاذل ضد حزب الله في جولة الحرب العربية الإسرائيلية السادسة.
يضاف إلى هذا ما جاء صراحة في أخبار وتحليلات سياسية منها ما جاء في مقال الدكتور سعد الدين إبراهيم في إحدى مقالاته كالآتي:
"وقد سمعت تفصيلات عن هذا المولود الجديد - يقصد الشرق الأوسط الكبير - وهو بالمناسبة أطروحة إسرائيلية عرضها شيمون بيريز في كتابه عام 1993- من مسؤولين أمريكيين كبار، في اليوم التالي لزيارة وفد رسمي مصري رفيع المستوى لواشنطن، قبيل أيام من إنفجار الحرب الإسرائيلية على لبنان.
وكانت قد سبقت هذه الزيارة المصرية زيارات لوفدين أحدهما أردني والآخر سعودي لنفس العاصمة الأمريكية. وكان الحديث في واشنطن هو عن محور إقليمي رباعي جديد، يتكون من مصر والسعودية والأردن وإسرائيل، وتدعمه الولايات المتحدة وذلك لمناهضة محور الشر الإرهابي الذى يتكون من إيران وسوريا وحزب الله وحماس".
أعمال الإدارة المصرية التي تؤكد إنطواءها التام بين دفتي الأجندة الأمريكية ظهرت بوضوح في مواقف عديدة منها:
تقديمها التسهيلات العسكرية للقوات الأمريكية على الأراضي المصرية وإدراجها مصر ضمن خطة الإنتشار الإستراتيجي للجيش الأمريكي - وهذا معلن ومعروف رغم إدعاءات السلطة المصرية.
وفي الدعم المصرى للقوات الأمريكية -اللوجيستى والإستخباراتي-. وظهرت في الضغوط على السلطات الفلسطينية للقبول بالطلبات الإسرائيلية. ولا يجب أن ننسى المسؤولية الأخلاقية والسياسية المصرية في حادثة إغتيال ياسر عرفات، فالرجل قد أعلن عجزه التام عن الإستمرار وإستسلامه وإبداء رغبته في التنحي والتقاعد وتسليم المسؤولية والقيادة لغيره بسبب التعنت الإسرائيلي والضغط الأمريكي لتقديم المزيد من التنازلات وهو ما لم يكن يستطيعه أو يقدر عليه.
وقد تناول الأستاذ هيكل هذه الموضوع وذكر رسائل عرفات إليه بشأنها- ومن المؤكد أن تلك الرسائل قد وصلت إلى القيادة السياسية والأمنية في مصر أيضا، ولا يمكن إنكارها كما تم إنكار عدد 92 إتصالا بين الرئيس السادات وبين الإدارة الأمريكية منذ فجر السابع من أكتوبر-تشرين الأول 1973 حتى الرابع والعشرين منه.
ولا يجب أن ننسى أيضا الدور المصري في تمزيق السودان. ومنها المساهمة الفاعلة في إنسلاخ الجنوب السوداني بدعم حركة جون غرنغ والتخلي عن الخرطوم العربي تحت دعاوي البراغماتية السياسية وحماية المصالح المائية، وهو الأمر الذي وضح جليا في تفعيل قنوات الإتصال مع الجنوب المتمرد والمساهمة مع الفريق الأمريكي الإسرائيلي في أعمال الدعم اللوجيستي والفني لها، ثم أخيرا الدور المصري في الضغط على الحكومة السودانية والمساهمة في بلورة إتفاقية "ابوجا" التي قد تؤدى إلى إنسلاخ الغرب السوداني كما أنسلخ جنوبه أو كاد.
5 - قراءة الأخطار الإقليمية الحادثة والتي أبسطها هو مشروع قناة البحرين -بين البحر الميت والبحر الأحمر- الذي يجري على قدم وساق الآن، وهو الأمر الذي سيقضي بالتبعية على قناة السويس أحد أهم الموارد المصرية الحيوية. وهناك مشروع "الفاتيكان الإسلامي" الذي أشير إليه في مخطط "الشرق الأوسط الجديد". وهناك مشروع تسوية -أو تلفيف - حسب تعبير هيكل- المشكلة الفلسطينية بمبدأ تبادل الأراضي، وعلى حساب مصر والأردن.
المشهد المصري وحقائقه
لبلورة الموقف العام الناشئ عن مجموعات من المحددات في المشهد المصري الداخلي الذي يتم التدليس على حقائقه ومكوناته ولإستيعاب مدى خطورته وتأثيره - بجانب ما سبق عرضه بخصوص المشهد الخارجي- فإنه يجب إدراك النقاط الآتية:
1 - القناعة التامة بحقيقة وصحة قاعدة "أن من فشلت سياسته بطلت بالتبعية رئاسته". ويكفي البلاد سياسات غير ناجحة طوال نيف وربع قرن من الزمان.
2 - إدراك حقيقة أن المشكلة ليست فقط في "المال" بل أساسا في سمات الرجال؛ في التأهيل والكفاءة والمقدرة الإدارية وفي توافر الجانب الأخلاقي والضمير الإنساني البعيد عن ثقافة "النيوليبراليين" الجدد الذين استخفوا بالعامل الأخلاقي في العقيدة "الليبرالية" التقليدية. فكم من مئات إن لم يكن ألوف أو عشرات الألوف من المشروعات التي توافر لها المال واسيئ إداراتها أو نهبت ميزانيتها وراح رأس مالها على بدلات وسفريات ودراسات وهمية وغيرها. ولذا فإن قرار الحكومة المصرية الأخير بتخصيص حوالى المليار ونصف المليار جنيه مصري لإصلاح قطاع السكة الحديد لن يكون ذا بال ولن يصلح الفاسدين والمفسدين وما أفسدوه، وهو ما جاء إلا في سياق ثقافة العلاج بالأسبرين ومصيره كغيره، هو الفشل المهين.
3 - إدراك خصائص الممارسة السياسية التي تقوم بها مجموعات النيوليبراليين الجدد المدعومة من الفئة الأولجاركية -المالية المنتفعة- وهي أشبه ما تكون بدسائس ومؤامرات بلاط الملوك والقياصرة. ظهر هذا جليا في تناول ملف المشكلة القبطية والمساعدة في ضرب الكنيسة الأرثوذوكسية من داخلها. وظهر هذا في إستغلال أزمة كارثة قطار قليوب - أكثر من 200 قتيل وجريح- في إضفاء الشرعية وإنتزاع القبول على مخططات خصخصة السكة الحديد المصرية، وفي النجاح التقريبي في ضرب الحكومة الحالية لصالح فئة محددة ومعروفة تطمح إلى تولي مقاليد السلطة التنفيذية بدون منازع أو مقاوم.
إنها حسن إدارة الأزمات بتعريفها "كفرصة للأحسن أو للأسوأ"، مع فارق بسيط هو أن هذا الأحسن أو الأسوأ هو للصالح الشخصي والفئوى وليس للمنفعة العامة.
وقد أثيرت مؤخرا تصريحات رأس السلطة المصرية برفض فكرة خصخصة مرفق "لسكة الحديد" الحيوى والهام، ولكن منذ متى تحققت الوعود والتصريحات؟. هل تحقق الوعد بعدم تولي الرئاسة لأكثر من فترة؟
هل تم التطبيق الفعلى للمقولة الأثيرة "بأن الكفن ليس له جيوب"؟. هل تم إصلاح دستورى حقيقي - وكارثة تعديل المادة 76 مازالت عالقة في الأذهان-؟ هل تم إلغاء قانون الطوارئ؟ هل تم إطلاق حريات الصحافة ومنع الحبس في قضايا النشر؟ هل أعطيت السلطة القضائية إستقلالها؟ هل حافظنا على هويتنا وعروبتنا وعقيدتنا وأمننا الوطني؟ هل حققنا أمننا الغذائي والعلاجي والإجتماعي والتعليمي والثقافي؟ هل بتنا نشعر بالأمان والولاء والإطمئنان في بلادنا أم أصبحنا غرباء في ديارنا؟
4 - إدراك العلاقة الإرتباطية بين نتائج إدارة السلطة المصرية في "الألفية الثالثة" وبين الحالة الصحية للسيد رئيس البلاد وبين توقيت تصعيد "نجله" وتسلمه العديد من الملفات الحيوية دون أي شرعية دستورية وقيامه بتجارب على البلاد -باستخدام أسلوب المحاولة والخطأ- والإستعانة بالأصدقاء والمقربين لا بالأكفاء المؤهلين، ويكفينا نتائج أداءهم وأعمالهم بدون الخوض في كفاءتهم وتأهيلهم أو في ذممهم المالية فهي حتى وإن عظمت لمن الأمور الثانوية. فالخباز الذي جاءنا أكل نصف خبزنا وحرق النصف الآخر.
5 - التأكيد بأن المعارضة للسلطة الحالية لا تنفي تقديرها لجهود وأعمال السيد اللواء حسني مبارك السابقة كقائد للكلية الجوية وكقائد القوات الجوية الذي أجاد إداراتها رغم قصورها ومحدودية إمكانياتها - بشهادة الفريق الشاذلي- وأدى المطلوب منه في حدود هذا المتاح من إمكانيات.
والتأكيد في نفس الوقت أن ما فعله قد أتى في سياق أداء مهامه الوظيفية ولا يعطيه الحق في شرعية خالدة مخلدة أو في التغاضي عن نتائج سياسات غير جيدة وغير ناجحة، وكفانا وإياه ربع قرن من سياسات غير مثمرة وممارسات أتسمت بسمات لم يأت بها أشد المحتلين الإستعماريين وحشية -ذكرى الأربعاء الأسود في مايو-أيار 2005، وتزوير الإنتخابات وما صاحبها من دموية مفرطة، وضرب وإهانة رجال القضاة والتأثير على سير العدالة وإختطاف المعارضين السلميين وهتك الأعراض وغيرها وغير غيرها.
6 - الكل يعلم في الداخل والخارج، والقاصي والداني، أن شرعية السلطة الحالية هي شرعية مطعون فيها لقيامها على الغش والتزوير والتحايل والتدليس وعلى إساءة إستخدام مؤسسات الدولة وإمكانياتها لصالح فئة معينة تتدعي الحزبية السياسية، وعلى الإستخدام المفرط لقوة الجهاز الأمني الذي يصل إلى درجة "إرهاب الدولة".
ومن ثم فإن أي حديث عن "شرعية دستورية" للنظام الحالي إستنادا على ممارسات زائفة يسقط بالحقائق الواقعية وبشهادة النخبة والجمهور وإعلان إرادتهم التصحيحية لتقييم الأمور.
7 - إدراك مدى تغلغل الكيان الإسرائيلي في نسيج المجتمع المصري وهو لم يكتف باستباحة سيناء -7% من مساحة مصر- ونزع سلاحها ومنع أي مشروعات تهدد كيانه بتجمع ديموغرافي مصري بل ويحاول الآن نشر لغته وبسط ثقافته والسعي لإنشاء جامعة عبرية وإمتلاك مناطق حاكمة رمزية -مبنى الجامعة الأمريكية في ميدان التحرير - أرض حديقة الحيوان في ميدان الجيزة- ونجاحه في إستقطاب بعض المحسوبين على النخبة والإعلام المصري وإستمالة البسطاء والفقراء والناقمين والمغيبين للهجرة إلى بلاد اللذة والجنس والزواج بصاحبات الجنسية الإسرائيلية وإنجاب أجيال على المدى القريب تكون مزدوجة الجنسية -مصرية - إسرائيلية. وهذا كله يواجه بسلبية وبعدم مقاومة فاعلة من جانب السلطة الحالية - بل ويتم التدليس عليها وإخفائها.
8 - التأكيد على سلامة مؤسستنا العسكرية، والتي نعتناها في مقال سابق بأنها "درع الأمة وضميرها"، فالأكثرية من العسكر المصريين من قادة وضباط وأفراد هم من الوطنيين المخلصين ومن المحافظين الملتزمين، لم تلوثهم ريح الفساد وإختراقات الإنحلال الغربي. ظهر هذا جليا في حفل إفطار القوات المسلحة في رمضان الماضي مع رئيس الدولة.
9 - إنهيار منظومة الأمن القومي المصري على النحو السابق ذكره.
10 - التأكيد بأنه لا توجد علاقة بين غياب السلطة الحالية وبين سلامة وسلاسة سير وتيرة الدولة النظامية أو علاقاتها الخارجية، فالمنظومة البيروقراطية للدولة المصرية -المنشأة منذ أيام "محمد علي"- لقادرة على تسيير الأمور الداخلية في أي فترة إنتقال محتملة.
يضاف إلى هذا هو القبول الدولي -الأمريكي والغربي- من قطاعات فكرية وسياسية كبيرة في الإستعداد بقبول الإسلاميين المعتدلين في إدارة النظم العربية لدرء خطر ومخاطر ما يسمونه "الإسلام الأصولي المتشدد". وهناك أمثلة من شخصيات إسلامية عديدة منهم كمثال دكتور عصام العريان ودكتور أبو الفتوح، وهما نقابيان بارزان ومن الناشطين السياسيين المعروفين. والأول حصل على 48% في إستفتاء الرئاسة المصرية الذي أجرته قناة الجزيرة في العام 2005 - مقابل18 % لحسني مبارك-، والثاني شاهدناه بين الركام والقتلى والجرحى في لبنان.
ما هو الحل؟
أما بالنسبة للحل فيجب أن تتسم سماته بالآتي:
1 - الحل يجب أن يكون مصريا، فهذا وقبل أن يكون واجبا -عقائديا وقوميا- فهو ضرورة لأننا أول المستهدفين، ونحن شئنا أم أبينا أصحاب الريادة وأهل القيادة. ودور مصر إن لم يكن بالعمل والمشاركة بالإيجاب لصالح الأمة فعلى الأقل لا يكون بالمشاركة ضدها.
2 - الحل يجب أن يتناسب مع طبيعة بنائية المنظومة المصرية التي تُختزل إداراتها بحكم موروثاتها في قمة رأسها، وأي إصلاح بعيدا عن الرأس سيكون كاللهو والرقص ونوعا من الترقيع وضربا من التسكين.
3 - الحل يجب أن يكون سلميا، فالدماء تجلب الدماء والعنف قرين البلاء.
4 - الحل يجب أن يحظى بأغلبية الوطنين الثقاة وهم معروفون كجماعات وشخصيات وتيارات وأن يأتي أولا عن قناعة نخبوية وسياسية ومؤسسية. وثانيا عن إجماع شعبي يجاهر فيه ويطالب به. وثالثا عن قناعة السلطة الحالية والعمل به في سلام. ورابعا إن لم يتحقق ثالثا يكون الحل في التظاهرات والإعتصام وصولا إلى العصيان المدني العام.
ولا يمكن أن يتم ذلك إلا ببلورة الموقف العام الناشئ عن مجموعات من المحددات في المشهد الخارجي -العربي والعالمي- التي تتناثر مفرداته، وفي المشهد المصرى الداخلي الذي يتم التدليس على حقائقه ومكوناته، وتمحيص هذا كله وإستيعاب مدى خطورته وتأثيره، فإن تم هذا ولاقى الإجماع فهذا هو نصف الطريق إلى الحل.
يقول مراقبون سياسيون محليون إن مصر يمكن أن تلجأ طريق النجاة إذا أمكنت المناداة بعمرو موسى رئيسا مؤقتا للبلاد وتعيين نائبين أثنين، يجسدان الوحدة الوطنية، أولهما المشير أبو غزالة نائبا أولا ورئيسا للوزراء ويكون مسؤولا مباشرا عن الأعمال الثقيلة -المؤسسة العسكرية والإنتاج الحربي والصناعة وإعادة التربية العسكرية إلى المدارس والجامعات كمثال-، والنائب الثاني من كوادر الإخوان -مثل العريان أو أبو الفتوح-، بوصفه ممثلا لقوة المعارضة الرئيسية، ويكون مسؤولا عن الشؤون الداخلية والأعمال الإجتماعية التي يجب أن تتم باسم الدولة لا باسم الإخوان، فضلا عن مشاركة قيادات وطنية أخرى.
ومن المهم أن يتم إعادة النظر في قانون إستقلال القضاء والجامعات وفي قوانين الممارسات السياسية، وإصلاح الحياة الحزبية بحيث يبدأ بإلغاء كافة الأحزاب الورقية والمعينة ولا يسمح بتكوين حزب سياسي إلا بإيفاء شرط وحيد وهو حصوله على موافقة عدد ممن يحق لهم الإنتخاب تقدر بنسبة عضو واحد بحد أدنى من مجموع المؤسستين التشريعيتين.
ويرى أصحاب هذا الحل-المخرج أنه يجب أن يحظى بأغلبية الوطنيين الثقاة وهم معروفون كجماعات وشخصيات وتيارات، وأن يأتي أولا، عن قناعة نخبوية وسياسية ومؤسسية.
والحال، فإنه من دون دور مصري مضاد للدور الذي تلعبه مصر مبارك، يكاد من العسير تصور كيف ستخرج الأمة العربية من دائرة ومخططات الفناء.
التغيير قد يكون مفيدا وضروريا ومطلوبا في العديد من الدول العربية، ولكن لا شيء يعادل أهميته التاريخية والإستراتيجية في مصر.
كل عمل يبذل في هذا الإتجاه إنما هو عمل مقدس ويستحق التضحيات.
-----------------------------------------------------
كاتب مصري
|