مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط

مقالات منتخبة
الاصلاحات في السعودية
ابعث رسالة (0 رسالة)
أمريكا وربيع الشعوب العربية
ابعث رسالة (0 رسالة)
سيناريوهات ما بعد رحيل صالح
ابعث رسالة (0 رسالة)
أمريكا ومفهوم القوة الناعمة
ابعث رسالة (2 رسالة)
تنافس أمريكي فرنسي
ابعث رسالة (0 رسالة)
top_logo
top_logo

 

 

top_logo





الصفحة الرئيسة > المقالات والدراسات > المقالات والدراسات > الصراع على الماء، الخطر القادم في الشرق الأوسط
الصراع على الماء، الخطر القادم في الشرق الأوسط نسخة للطابعة ارسال الی صديق
   الاثنين 21/ 09/ 2009م  الموافق02 شوال 1430هق

 
 
بقلم : إبـراهيم قاعـود
 
الصراع على الماء أشعل الكثير من الحروب عبر التاريخ، من صراعات الممالك القديمة والقبائل حتى العصر الحديث، ومع تضاعف عدد سكان الأرض خلال فترة قصيرة من الزمن وصار أكثر من ستة مليارات، والرقم مرشح للوصول إلى ثمانية مليارات نسمة منتصف القرن الحالي، تراجع نصيب الأفراد والدول من المياه مع تزايد الاحتياجات ووصل الأمر لنتائج كارثية تتمثل في وفاة ثلاثة ملايين طفل سنويا بسبب نقص المياه وتفشي الأمراض الوبائية، وعلى مدى خمسين عاما وقع 37 نزاعا مسلحا كان أغلبها في منطقة الشرق الأوسط والتي لاتقع جغرافيا ضمن حزام الأمطار وقلة أنهارها وكثافة عدد سكانها قياسا على مساحة الأرض، والمنطقة مرشحة للمزيد من الصراعات المسلحة التي يقودها لاعبون رئيسيون من أبرزهم إسرائيل (من النيل إلى الفرات) والمشكلة الأكبر في قضية المياه ليست في بلدان المصب بقدر ما هي في دول المنبع التي بدأت تسعى للهيمنة على هذا المورد الحيوي ومنع الآخرين من استخدامه أو عند الحدود الطبيعية والمنطقية تقليل الوارد لهذه البلدان لكن المشكلة الأكبر هي في اللاعبين خارج الخطوط والذين يسعون إلى إشعال الحروب بين بلدان المنطقة لإضعافها واحتوائها في دائرة نفوذهم والدور الإسرائيلي يبقى الأخطر من هؤلاء اللاعبين لأنها تلعب على كل الأطراف وتسعى لتأمين احتياجاتها على حساب الجميع!!

ثمة هواجس ومخاوف تسود منطقة الشرق الأوسط مما تحمله الأيام والشهور والسنوات القادمة من أخطار تهدد استقرار بلدانها وشعوبها، ووراء الكثير من مشاكل هذه المنطقة لابد من البحث عن مصدر هذه المخاوف والهواجس، فالمنطقة مستهدفة غربيا بسبب مواردها وموقعها الاستراتيجي كأحد النقاط الهامة في التجارة العالمية وتدفقها عبر العالم، لذا كانت هذه المنطقة محطا لأنظار العالم الغربي منذ الحملات الصليبية وصولا للاستعمار القديم وانتهاء بالاستعمار الحديث الذي يسعى للسيطرة عن بعد أو عبر وكلائه أو بالغزو المباشر إذا اقتضي الأمر والظروف، لكن تبقى إسرائيل كرأس جسر للغرب لتحقيق أهدافه ومصالحه وأطماعه فالارتباط بين الطرفين عضوي وحيوي واستراتيجي .. ثقافيا وتاريخيا وعسكريا.

صور قاتمة

الأرقام والاحصاءات والمؤشرات لاتعطي صورا متفائلة أو مبشرة بواقع قضية المياه على مستوى العالم.. فرغم وجود ستة محيطات والكثير من البحار والأنهار على مستوي العالم فإن المشكلة الكبري تكمن في أن 98 من مياه العالم مالحة ولا تصلح للاستخدام الزراعي أو الآدمي (مياه الشرب) أما الأنهار فيوجد على مستوي العالم 262 حوض أنهار منها 59 في أفريقيا و52 في آسيا و73 في أوروبا و61 في أمريكا اللاتينية و17 في أمريكا الشمالية وهي أرقام توحي بأنه لا مشكلة في المياه الصالحة للشرب أو للزراعة، لكن المشكلة تكمن في أن 23 دولة تتقاسم ثلثي موارد المياه، ويتوزع الباقي على بقية العالم، أي أن هناك دولا غنية بموارد المياه وأخري - وهي النسبة الأكبر - فقيرة وتحت خطر الفقر المائي.. والأخطر ما أشارت إليه تقارير الأمم المتحدة من أن سكان الأرض مهددون بالعطش في عام 2050 لأن مايستخدمه البشر من مياه هذا الكوكب هو واحد على مائة ألف من مياهه (لملوحة مياه بحاره ومحيطاته)، وقد يبدو الحل في إقامة محطات تحلية المياه لكنه حل مكلف للغاية ولايستطيع الوفاء باحتياجات كافة السكان واستخداماتهم ويحتاج لموارد مالية ضخمة قد لاتتوافر للكثير من البلدان خاصة الفقيرة والنامية منها.. وبسبب نقص موارد المياه وضعف معدلات التنمية خاصة في أفريقيا رغم غزارة أمطارها خاصة المنطقة الاستوائية فإن المياه تعد الآن سببا رئيسيا في تفشي الأمراض والأوبئة وارتفاع معدلات الوفيات، تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة أشار إلى أن 2.6 مليار نسمة يعيشون بدون وسائل الصرف الصحي.

وقد أشار تقرير لمؤسسة الاستشارات الدولية (برايس ـ ووترهاوس) إلى أن النزاعات ستزداد حدة بسبب نقص المياه الذي يتوقع أن تمتد آثاره إلى قرابة ثلثي سكان العالم منتصف القرن الحالي ومن أكثر المناطق المعرضة لتهديد نقص المياه الشرق الأوسط.

مناطق ساخنة

ويبرز التقرير الحالة الإسرائيلية وهي الأكثر ترشيحا لصراعات قد تقود لحروب فثلثا المياه التي تحصل عليها إسرائيل تأتي من الأراضي المحتلة (الضفة وغزة) وقرابة نصف منشآت إسرائيل المائية تقع في مناطق لم تكن ضمن حدودها قبل حرب 67.

ومن المناطق المعرضة للحروب يرصد التقرير 11 منطقة أخرى تضم تركيا وسوريا والعراق وايران بسبب السدود التركية التي تسحب كميات ضخمة من نهري دجلة والفرات، ... ومصر والسودان كدولتي مصب وبلدان المنبع السبع، والحقل الجوفي الممتد عبر مصر وليبيا وتشاد والنيجر، ومشكلة الهند وباكستان حول استثمار نهر الأندوس ، وصربيا وكرواتيا والخلاف حول نهري الدانوب والساف والهند وباكستان والخلاف حول دلتا نهري الجانج وبراهما بوتري، أي أن الصراعات بين هذه البلدان تكمن في جريان النهر من منبعها إلى المصب عبر حدود بلدان أو حتى المياه الجوفية وتكمن المشكلة في تقاسمها ورؤية دول المنبع في نصيب دول المصب خاصة إذا كانت دول المنبع تتمتع بمعدلات تنمية عالية وتحتاج للمزيد من المياه وهو مايلقي بظلاله على موارد دول المصب المائية.

ويبقى النيل كحالة خاصة بين هذه الحالات فدول المنبع لاتحظى بمعدلات تنمية عالية وهي عند الحدود الدنيا، من هنا يدخل على الخط قوى خارجية تسعي لتهديد استقرار دول المصب بطرح الكثير من المشروعات المائية خاصة السدود لامتصاص كميات ضخمة من المياه وحرمان دول المصب منها، وإسرائيل ليست اللاعب الوحيد في الضغط على مصر والسودان وإنما هناك قوى غربية تمارس هذا الدور.

أطماع إسرائيل

قضية المياه أو النقص في هذا المورد الإنساني الحيوي للحياة على الأرض، كان من بين أهداف المشروع الصهيوني في بداياته على يد المؤسس تيودر هرتزل، الفكرة التي أطلقها هرتزل حول المياه ارتبطت بفكرة أكبر سعي لتحقيقها من خلال الغرب وهي إنشاء وطن قومي لليهود والعودة المزعومة لأرض الميعاد وبمياه نهري النيل والفرات وهو الشعار الذي يزين جدران الكنيست الإسرائيلي ( من النيل إلى الفرات ملكك يا إسرائيل) وفكرة نقل مياه النيل كانت إحدي أفكار هرتزل في بداية القرن العشرين حيث وجه خطابا لكل من الحكومتين البريطانية والمصرية بمد فرع من النيل لسيناء وتوطين عدد من المهاجرين اليهود بها، لكن الفكرة لم تتحقق حتى الآن حتى بعد شق ترعة السلام إلى سيناء بعد توقيع معاهدة السلام ، حيث لم يتم مدها إلى منطقة الحدود وتم الاكتفاء بوصولها إلى منتصف سيناء حتى لاتقوم إسرائيل بسحبها والادعاء بأنها جزء من منظومة حوض النيل بدخولها على حصص بلدانها كحق مكتسب.

ولإسرائيل تاريخ طويل مع أنهار المنطقة دخل في أطوار صراع مسلح وحروب، فحرب 67 كانت من أهم أسبابها قيام إسرائيل بتحويل مجرى نهر الأردن، وغزو لبنان عام 82 كان أهم أهدافه السيطرة على نهر الليطاني، وإنشاء "الدولة العبرية" للجدار العازل كان هدفه الرئيسي ضم معظم الأحواض الجوفية لمياه الضفة الغربية وقطاع غزة وخاصة مابين الخط الأخضر والجدار، وحرص إسرائيل على سرقة مياه نهري الحاصباتي والوزاني في لبنان، ولذا قامت إسرائيل باحتلال الشريط الحدودي الذي يضم النهرين، فنهر الحاصباني ينبع في لبنان ويصب في نهر الأردن وفي بحيرة طبرية المخزن الرئيسي للمياه العذبة لالمتاحة لإسرائيل، كما يواجه الأردن مشكلة في التفاهم حول حصته من نهر الأردن بموجب معاهدة السلام (وادي عربة) بعد امتناع إسرائيل منذ عشرة أعوام عن ضخ حصته المقررة والحصة الإضافية من المياه المخزنة في بحيرة طبرية.

وتعود أسباب رغبة إسرائيل العارمة في الاستيلاء وسرقة مياه دول الجوار إلى دخولها لحافة الخطر المائي فمياه بحيرة طبرية تقل 45 سنتيمترا كل عام وسوف تصل إلى 214 مترا تحت سطح البحر وهو منسوب لايساعد على قدرة الطلمبات على سحبها، كما تمثل هضبة الجولان المحتلة 30 من احتياجات إسرائيل المائية، حيث إن اثنين من روافد نهر الإردن ينبعان من الهضبة ويشكلان ثلث مياهه إضافة للمخزون الهائل من المياه الجوفية ويقدر بحوالي مليار متر مكعب يتغذي من هطول الأمطار بإجمالي 1.2 مليار متر مكعب سنويا، لذا فإن إسرائيل فتحت عدة جبهات للصراع قد تتحول لحروب مع دول الجوار للوفاء باحتياجات سكانها المتزايدة.. بالإضافة لتفاقم مشكلة الاحتباس الحراري وهو ما يهدد مخزون مياه بحيرة طبرية وهي تعارض بشدة إقامة دولة فلسطينية لأن وجودها سيقود للمطالبة بحصته مع الأردن وإسرائيل وجولة ليبرمان الأفريقية مؤخرا شملت ثلاثا من دول المنبع لنهر النيل (أثيوبيا ـ كينيا ـ أوغندا) تستهدف ممارسة ضغوط على مصر للحصول على حصة من مياه النيل، وتحريض دول الحوض على أن تسير في طريق التصادم مع مصر وإعادة توزيع الحصص دون النظر للحقوق التاريخية والاتفاقات السابقة، وإسرائيل تقوم بمساعدة أمريكية بتنفيذ عدة مشاريع لسدود على النيل منها سد فنشا على النيل الأزرق لحجز نصف مليار متر مكعب، ومشروع خور الفاشن شرق أثيوبيا ومشروع سنيت على نهر عطبرة والليبرو وهذه تؤثر على حصة مصر من المياه بكمية تصل إلى 7 مليارات متر مكعب وسد تيكيزي وحده يحجر 9 مليارات متر.

طموحات إقليمية

وهناك لاعبان آخران بالمنطقة قد تقود ممارساتهما لإشغال حروب بالمنطقة.. تركيا من خلال مجموعة السدود الضخمة على منابع دجلة والفرات لتغيير مساراتهما إلى الداخل التركي.. محافظة الحسكة السورية تعاني من الجفاف والتصحر بسبب ضعف المياه الواردة من نهر الفرات من الأراضي التركية.. ويذكر أن سليمان ديمريل الرئيس التركي الراحل قال في بداية تسعينات القرن الماضي إذا كان البترول ملكا للعرب فمياه دجلة والفرات ملك لتركيا، ورغم محاولات التهدئة لإزالة التوترات بين جيران تركيا خاصة سوريا والعراق، فلا تزال أنقرة ماضية في إقامة مشاريع السدود على منابع دجلة والفرات....

ومنطقة الشرق الأوسط بهذه الوقائع والمتغيرات قادمة على مرحلة صعبة فيما يتعلق بمواردها المائية، ولابد من إعادة النظر في علاقات بلدان المنطقة في إطار من دعم العلاقات الاقتصادية في إطار عدم اتخاذ خطوات أحادية الجانب فيما يتعلق بنهري دجلة والفرات.. أما إسرائيل وماتقوم به من ممارسات لسرقة مياه الأنهار بالمنطقة وما تمارسه من تحريض ضد مصر في بلدان منابع النيل، فلابد من مواجهته عبر أوراق الضغط التي تملكها مصر، وعبر توثيق العلاقات الاقتصادية مع بلدان حوض النيل وخاصة في المشروعات التي تستهدف التقليل، من إهدار مياه النيل حتى تتحقق الاستفادة لبلدان المنبع والمصب على السواء.

نقطة الماء حياة للبشرية والأرض والاقتراب من حجبها عن الآخرين هو بمثابة إعلان حرب وتهديد صريح لأمن الدول واستقرارها، من هنا فاقتراب نذر الحرب من المنطقة مرتبط بتصرفات بلدان المنبع وحرصها على علاقاتها بالآخرين وحرص البلدان الأخرى على علاقات تعاون وتكامل بين الجميع ولمصلحة كل شعوب المنطقة.
 

ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement