مرکز افريقية للدراسات والبحوث السياسية خطوة باتجاه فهم أعمق لما يجري حولنا في دول الشمال الافريقي والشرق الاوسط

مقالات منتخبة
الاصلاحات في السعودية
ابعث رسالة (0 رسالة)
أمريكا وربيع الشعوب العربية
ابعث رسالة (0 رسالة)
سيناريوهات ما بعد رحيل صالح
ابعث رسالة (0 رسالة)
أمريكا ومفهوم القوة الناعمة
ابعث رسالة (2 رسالة)
تنافس أمريكي فرنسي
ابعث رسالة (0 رسالة)
top_logo
top_logo

 

 

top_logo





الصفحة الرئيسة > المقالات والدراسات > المقالات والدراسات > التناقض العقيم..بين أميركا وإسرائيل
التناقض العقيم..بين أميركا وإسرائيل نسخة للطابعة ارسال الی صديق
الأحد 25/ 10/ 2009م  الموافق 6 ذوالقعدة 1430هق

 
 
بقلم : سمير كرم
 
في الأصل خلقت إسرائيل لتكون قاعدة متقدمة للغرب، تخوض حروبه في المنطقة امتداداً الى بعيد، حتى الحدود مع الاتحاد السوفياتي ..حينما كان.

الوضع الآن معكوس ..ليس فقط الى حد ان الولايات المتحدة اصبحت تخوض حروبها بنفسها في الشرق الاوسط... بل معكوس الى حد ان اسرائيل تطالب الولايات المتحدة بخوض حرب ضد إيران، وتتهمها بأنها تدفعها دفعا نحو حرب يتوجب على اميركا خوضها ضد ايران.

اغرب ما في هذا التغير الاستراتيجي انه يتوافق زمنياً مع زوال الخطر الاستراتيجي الأكبر على الولايات المتحدة والغرب كله، بزوال الاتحاد السوفياتي ومنظومة الدول الاشتراكية وحلفها العسكري، الذي كان يسمى ـ اذا كان احد قد نسي ـ حلف وارسو.

سقط الاتحاد السوفياتي وأصبحت روسيا اقرب الى حليف للغرب اكثر منها خصم، لكن اسرائيل لا تزال تحتفظ بكل المزايا والامتيازات التي كانت لها عندما كان دورها الاساسي دور القاعدة المتقدمة للدفاع عن مصالح الغرب في الشرق الاوسط بالتصدي للاتحاد السوفياتي، خاصة اذا اقترب من التحرك نحو غزو حقول النفط في منطقة الخليج - وفقاً للعنوان الذي صاغه الوزير الاميركي الأسبق هنري كيسنجر، عندما كان الخطر السوفياتي على المصالح الاستراتيجية القصوى للولايات المتحدة وحلفائها، متمثلا في مصادر الطاقة النفطية في هذه المنطقة.

كانت اسرائيل تفاخر بأنها تكلف الولايات المتحدة اقل كثيرا مما تكلفها نفقات حلف الاطلسي، ومع ذلك فإنها تقوم ـ كانت تقوم في حقيقة الامر ـ بدور يفوق في اهميته دور حلف الاطلسي في المواجهة مع «الكتلة الشرقية». مع ذلك فإن اسرائيل لا تزال مستمرة في جني المزايا والامتيازات المادية والسياسية من الولايات المتحدة في صورة مساعدات اقتصادية وعسكرية وضمانات قروض، وفي صورة التزام اميركي اصم بكل ما يحمي اسرائيل أمنياً وسياسياً وقانونياً. بعد زمن تراجع دور اسرائيل من قاعدة متقدمة الى عبء ثقيل لا يتحمل عن الولايات المتحدة اية أعباء عسكرية في المنطقة. دور أصبح يراكم على الولايات المتحدة ديوناً سياسية وقانونية ومعنوية في علاقاتها بالدول العربية والاسلامية وغيرها.

هذا كله بالإضافة الى ان حروب اميركا في المنطقة، هي لحماية اسرائيل استراتيجياً وأمنياً بالدرجة الاولى وحتى الثانية والثالثة... والاخيرة. فيما تحارب اميركا بنفسها في العراق وأفغانستان وباكستان، وتُدفع دفعاً للدخول في حرب مع ايران، حرب يمكن ان تفوق كل هذه الحروب مجتمعة في نفقاتها البشرية والمادية، لا تزال اسرائيل تحصل من الولايات المتحدة سنوياً على 5 مليارات و525 مليونا من الدولارات (حسب آخر الارقام المتاحة وهي ـ صدق او لا تصدق ـ ارقام عام 1997). وقد كتب ريتشارد كيرتيس رئيس التحرير التنفيذي لشهرية «واشنطن ريبورت» المعنية بشؤون الشرق الاوسط ـ وهو دبلوماسي اميركي سابق ـ إن هذا المبلغ في الحقيقة يكلف دافع الضرائب الاميركي اكثر من هذا، لأن هذا المال مقترض وتدفع الخزينة الاميركية عنه فوائد للمقرضين (من بينهم الصين). وتوصل كيرتيس حسابياً الى ان الولايات المتحدة دفعت لإسرائيل خلال السنوات من 1949 الى 1997 ما يربو على 134 ملياراً و800 مليون من الدولارات، وأن الولايات المتحدة تخسر سنوياً فوائد على الاموال التي تدفعها لاسرائيل لأنها تلتزم بالدفع لاسرائيل في الشهر الاول من السنة المالية، فتخسر بذلك ما كان يمكن ان يكون فوائد على هذه الاموال لو كانت تدفعها في النصف الثاني من السنة المالية او في أواخرها كما تفعل مع الدول الاخرى الافريقية واللاتينية.
 
ويبقى ان مبالغ المساعدات التي تدفعها الولايات المتحدة لإسرائيل هي بمثابة هبات لا ترد، ولا يشترط عليها ان تستخدم في شراء سلع او خدمات اميركية كما هي الحال مع الدول الاخرى التي تحصل على مساعدات اميركية بما فيها مصر.

لا تزال اسرائيل تحصل على ما يوازي 23 الفاً و 240 دولاراً لكل إسرائلي، رجلا كان او امراة او طفلا، وهي البلد الذي يقل تعداد سكانه عن ستة ملايين نسمة ويبلغ نصيب الفرد فيه من اجمالى الانتاج القومي 25 الفاً و800 دولار سنويا (حسب ارقام عام 2006) وهو اعلى من نصيب الفرد من اجمالي الانتاج القومي لإيرلندا وإسبانيا وأقل قليلا منه في بريطانيا وإيطاليا.

ويلاحظ ان السنوات العشرين الاخيرة ـ على الاقل ـ لم تشهد فقط تحول اسرائيل من رصيد استراتيجي للغرب ـ للولايات المتحدة بشكل خاص ـ الى دين استراتيجي، بعد ان اصبحت اميركا تضحي بحياة آلاف من شبانها في حروب شرق اوسطية، إما دفاعاً عن اسرائيل بالمعنى المباشر او لصيانة مصالح استراتيجية وأمنية لها... انما شهدت هذه السنوات ايضاً سياسة اسرائيلية تتعمد توريط الولايات المتحدة في مشكلات يفترض ان لا تقع في دائرة اهتماماتها المباشرة. على نحو ما حدث في جورجيا وعلى نحو ما يحدث في لبنان وما حدث على اثر الانتخابات الاخيرة في ايران. وأصبحت استراتيجية اسرائيل الراهنة الرامية الى إضعاف الرئيس الاميركي امام خصومه الداخليين والخارجيين شاهداً آخر على انها لا تعتمد في نفوذها على استقرار الاوضاع الاميركية الداخلية والخارجية... انما على اهتزاز هذا الاستقرار (...).

تحرص اسرائيل على سبيل المثال على ان لا يجد الرئيس اوباما ما يفيده في الشرق الاوسط من وراء الخطوات التي تمّت بالفعل لتحقيق تقارب سوري ـ سعودي، مرشح للتحول مجدداً الى تجمع ثلاثي بانضمام مصر. بدأت اسرائيل بالفعل جهودها في واشنطن من اجل ان لا يتحقق نمو التقارب السوري ـ السعودي ليشمل مصر. ذلك انها لا ترى اي فائدة من هذا التقارب، وهي ترصد لترى اذا كان سيترتب عليه اقتراب من إيران. وهي ـ بالتالي ـ لا تريد ان تجد الولايات المتحدة في التقارب السوري ـ السعودي فرصة لفهم اوسع وأعمق مع إيران يتجنب الصدامات السياسية فضلا عن العسكرية بين دول المنطقة التي تجمع بينها مواجهة أخطار مشتركة ومصالح مشتركة.

كذلك فإن إسرائيل تقف وراء محاولة الإيهام بوجود تحالف بين ايران وتنظيم القاعدة... وهو شيء اقرب ما يكون في استحالته الى المربع الدائري. تحاول اسرائيل ان تلعب هذا الدور بإثارة ما يثار في اليمن ونسبته الى ايران وفي الوقت نفسه الى القاعدة.

وتستخدم في ذلك طريقتها التقليدية لتسريب «المعلومات» المخابراتية الى الأجهزة الاميركية التي يهمها ان تنقلها الى الاطراف المعنية. وبطبيعة الحال فإن استراتيجية اسرائيل النووية تكمن وراء هذه المحاولات لإبقاء حالة العداء بين اميركا وإيران.

وليس مما يثير الدهشة هنا ان تحصل اسرائيل ـ من دون ان تدفع اي ثمن بالمقابل ـ على تعهد جديد من الرئيس اوباما للتعهد الاميركي القديم الذي يرجع الى زمن الرئيس الاميركي ريتشارد نيكسون ورئيسة الوزراء الاسرائيلية غولدا مائير ـ بأن تبقي اسرائيل أسرارها النووية محفوظة فلا يطلب منها الكشف عنها. وهذا بحد ذاته كفيل بوضع عقبة كأداء امام إيران في رغبتها التعاون مع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بشأن حقها المشروع في تطوير قدراتها النووية. وهو فوق هذا عقبة اكبر بوجه مشروع الرئيس اوباما لتجريد العالم من الاسلحة النووية، وهو المشروع الذي اسهم بالدور الاول في فوزه بجائزة نوبل للسلام.

تسير المصالح الاميركية ـ حتى الاستراتيجي منها ـ في اتجاه وتسير المصالح الاسرائيلية في الاتجاه المضاد، مع ذلك فأن الولايات المتحدة تتصرف على نحو يوحي بأن المبدأ الاساسي لاستراتيجيتها هو ـ وكما كان طوال القرون الخمسة الماضية ـ اسرائيل اولاً. وهكذا تتبدد في الأجواء الدولية وعود الرئيس اوباما بالتغيير... ويصبح الوضع القائم تأكيداً للسياسات القديمة التقليدية التي انتهجها كل الرؤساء الاميركيين السابقين منذ جون كيندي في اوائل السبعينيات من القرن الماضي.

يحدث هذا في وقت تبرز فيه على السطح خلافات قوية واضحة بين اسرائيل والمجتمع الدولي لا مجال للشك في انها خلافات يمكن ان تنمو وتتسع على الرغم من استمرار الولايات المتحدة في حماية اسرائيل. وقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في الآونة الاخيرة في موقف الدفاع وحدها تقريبا ـ معها السلطة الفلسطينية ـ عن اسرائيل في مواجهة اخطر اتهامات وجهت اليها حتى الآن منذ نشأتها. وهي الاتهامات التي تضمنها تقرير اللجنة الدولية برئاسة القاضي ريتشارد غولدستون عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها اسرائيل بحق سكان غزة في حربها على القطاع في شتاء 2008ـ2009.

وربما اعتقدت الولايات المتحدة انها تقلل من الضرر الناجم عن هذا التقرير بالمساعدة على دفنه بعيدا عن اعين المنظمات الدولية والمجتمع الانساني، وربما اعتقدت انها تقلل من الضرر اللاحق بالسلطة الفلسطينية من وراء خضوعها للضغط الاميركي لتطلب تأجيل النظر في التقرير في مجلس الامن، وذلك حين طلبت واشنطن من اسرائيل ان تفتح تحقيقها الخاص في تلك الاتهامات. انما الحقيقة ان الولايات المتحدة بهذا إنما تمنح لإسرائيل ترخيصا بأن تكون الجاني والقاضي معاً، كما تمنحها حصانة ضد سلطة المجتمع الدولي فيما يتعلق بتصرفاتها الخارجية على القانون الدولي والأعراف الانسانية.

حصلت اسرائيل في غضون ايام قليلة على هذين التنازلين الكبيرين. وفي غضون الايام القليلة نفسها عملت حكومة نتنياهو على إحباط جهود الادارة الاميركية ومبعوث الرئيس اوباما السناتور ميتشل من اجل استئناف عملية السلام بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية. فأعلن وزير الخارجية الاسرائيلي ليبرمان صراحة وقبيل ساعات قليلة من وصول ميتشل الى اسرائيل «إن الاعتقاد بأن هناك فرصة للتوصل الى اتفاق طويل الأجل لإنهاء الصراع (بين الاسرائيليين والفلسطينيين) الآن هو امر غير واقعي».

كان التناقض واضحاً بين دوافع واشنطن وعراقيل اسرائيل. فقد قال أيان كيلي المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الاميركية «ان جميع الطاقات موجهة الآن للمضي قدماً في عملية السلام وإزالة أي مسألة قد تعوق التقدم المنجز نحو تحقيق هذا الهدف». في هذا الوقت تحديدا جاء تصريح ليبرمان الذي كان اقرب ما يكون الى إطلاق رصاصة بلا رحمة على جهود السلام الاميركية.

هذه هي علامات التناقض الظاهر بين المواقف الاميركية والاسرائيلية. وهو تناقض لا يرقى ـ من وجهة النظر الاميركية ـ الى مستوى يسمح بالاختلاف مع اسرائيل، فضلا عن الضغط عليها او حتى تهديدها بالضغط.


ملاحظات القراء

الكاتب:
النص:


Advertisement