|
المشروع الصيني.. الطريق إلى عالم أكثر أمانا |
|
|
|
الأحد 25/ 10/
2009م الموافق 6 ذوالقعدة 1430هق
بقلم : نبيل زكي
ستون عاما على استيقاظ "العملاق النائم".. وظهور الصين الجديدة؛ الآن يتحدث العالم كله- بما في ذلك هؤلاء الذين يخشون صعود الصين ويكرهونها- عن المعجزة الصينية والتقدم المذهل الذي تحقق في السنوات الماضية، بل إن خروج دول كبرى في الغرب من كابوس الأزمة المالية والاقتصادية العالمية مرهون بمواقف وسياسات صينية. ووسط ضجيج الاحتفالات بمرور ستين سنة على انتصار الثورة الصينية طرح الرئيس الصيني "هو جينتاو" مشروعه من أجل عالم أكثر أمنا وسلاما للجميع.
ورغم أن المشروع الصيني يحدد خطوات ومراحل لتحرير العالم من الأسلحة النووية على المدى الطويل.. إلا أنه لم يغفل- على المدى القصير- الإجراءات التي من شأنها احتواء محاولات الانتشار النووي واستمرار إسرائيل، في اعتبار نفسها فوق القانون الدولي بدعم كامل من الإدارة الأميركية؛ ومع ذلك لم يكن لهذا المشروع الصيني أي صدى في العالم العربي، كما لو كان الأمر لا يعنينا في شيء!!
صين عام 1949 كانت دول فقيرة ومتخلفة تعاني من المجاعات والأوبئة وكل أنواع البؤس؛ ومنذ ذلك الوقت، شهدت الصين تغيرا عميقا على الأصعدة التاريخية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ واليوم أصبحت، في رأي البعض، ثاني أقوى اقتصاد في العالم، وفي رأي البعض الآخر ثالث أكبر اقتصاد في العالم. ولكن ثمة إجماع على أنه في غضون فترة تتراوح بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة ستكون الصين صاحبة أقوى اقتصاد في المعمورة.
ولذلك، فإن العبارة التي تتردد على ألسنة خبراء الشؤون الصينية الآن هي: أن صين الغد ستكون أفضل وأقوى بكثير مما هي عليه الآن. إن الصين معجزة لا يستطيع أحد إنكارها بعد الآن. وظلت معظم دول الغرب تنظر دائما إلى الصين بنظارات سوداء، ثم أصبحت هذه الدول تشعر بقلق من الصين خشية أن تصبح دولة قوية ذات نفوذ كبير على النطاق العالمي. وكلمة "المعجزة" استخدمها مؤخرا "بير بسكار" خبير الشؤون الصينية وأستاذ الجغرافيا- السياسية الإنسانية بجامعة باريس في وصف ما حققته الصين حتى الآن.
ويقول "سيلفيان بلاستشيرت" أستاذ علم الاقتصاد بجامعتي "انتويبرب" و"ليوفن" في بلجيكا، إن النمو الذي استطاعت الصين أن تحققه عاما بعد آخر، خلال الستين سنة، وسط التقلبات، بمتوسط 9 في المئة أو 10 في المئة يشكل نجاحا كبيرا جدا.. في رأيه.
عوامل النجاح:
ويقول هذا الأستاذ الجامعي البلجيكي الذي يتابع عن كثب النمو الاقتصادي في الصين منذ زيارة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون- غير المسبوقة- لبكين عام 1972، إنه يعرف الكثير عن التحديات التي واجهتها الصين خلال الستين عاما الماضية.
ويضيف: "هناك فرق كبير بين بكين الآن وما كانت عليه في فترة السبعينات، وإنني لا أستطيع التعرف على بكين أو شنغهاي، وحتى شيان، فقد تغيرت كلها وتحسنت كثيرا". ويؤكد "بلاستشيرت" أنه من الصعب على المراقبين الأجانب اللحاق بالصين، لأنها تتغير بشكل سريع.
ويرجع هذا الأستاذ البلجيكي- الذي كاد يعمل كاقتصادي مالي في البنك الدولي في واشنطن والبنك التجاري البلجيكي-الإنجازات التي حققتها الصين إلى ثلاثة عوامل:
- أولا: إحداث تغيير في الزراعة بفضل مبادرة نظام المسؤولية التعاقدية الأسرية التي قام بها الفلاحون الجياع في "فنج يانغ" بمقاطعة "دنهوى" ذلك أن التقدم الملحوظ في مجال الزراعة ساعد الصين على تحقيق نمو بمتوسط 8 في المئة في الإنتاج خلال خمس سنوات. ولم يكن من الممكن بالنسبة للصين، التي يعيش أكثر من ثمانين في المائة من سكانها على فلاحة الأرض، تحقيق معدل نمو يتراوح بين 9 في المئة و10 في المئة في المتوسط دون تغيير في مجال الرزاعة. وما زال القطاع الريفي في حالة فقيرة إلى حد ما، ولكن إقامة الشركات في مراكز القرى الصينية أتاح المزيد من فرص العمل، حيث توفرت وظائف عددها مائة مليون وظيفة.
- ثانيا: استخدم الصينيون الانفتاح في زيادة الصادرات بشكل كبير وكذلك الواردات إلى جانب النمو الضخم للاستثمارات الأجنبية المباشرة وكانت الصادرات ولا تزال قوة الدفع الكبيرة التي تحرك النمو الاقتصادي.
- ثالثا: المنهج البراجماتي الذي طبقته الصين خلال عملية التنمية.. ولم تتحقق التنمية بضربة واحدة، ولكن بشكل تدريجي، فقد تم اختبار السياسة الاقتصادية في عدد صغير من المدن أو المقاطعات؛ وعندما تم التوصل إلى نتائج جيدة، جرى تعميمها في البلاد كلها. وهنا نتذكر ما قاله الزعيم الصيني "ونج شياو بنج": "ليس المهم أن تكون القطة سوداء أو بيضاء، المهم أن تأكل الفئران"! والنموذج الصيني في التنمية يتميز بأنه أولا وقبل كل شيء صيني.
المحرك للنمو العالمي:
وقد استفادت الصين من مساهمة الصينيين المغتربين الذين ما زالوا يلعبون دورا مهما في القطاع الاقتصادي. وحتى خلال الثلاثين سنة الأولى من حياة "جمهورية الصين الشعبية" فقد تحقق نمو بنسبة 4.5 في المائة في إجمالي الناتج المحلي وهي نسبة لا بأس بها، نظرا للاتصالات المحدودة للصين بالعالم الخارجي في تلك الفترة. والجهود التي يبذلها زعماء الصين حاليا من أجل تحسين القطاع الريفي للبلاد بالغة الأهمية، وتحتاج إلى المزيد لتطوير الزراعة.
والأمر الذي ينطوي على دلالة هو أن هناك رغبة في الولايات المتحدة وأوروبا في نمو الصين بشكل سريع لأن ذلك يؤثر بشكل إيجابي على الاقتصاد الأوروبي الذي تأثر على نحو كبير بالأزمة المالية والاقتصادية العالمية.
وها هي عجلة النمو تدور مرة أخرى في الصين بشكل سريع؛ من كان يتصور أن الصين تعد الآن أحد محركات النمو الاقتصادي في العالم؟ وكل ما تحتاج إليه هو تحسين نظامها المصرفي "وهو قوي بما فيه الكفاية"، والرقابة على البنوك الخاصة.
في عام 1949 كانت الصين قد خرجت لتوها من حرب ضد الاستعمار الياباني وحرب ضد نظام "شيانج كاي شيك" زعيم حزب "الكومنتانج" المناهض للثورة. والآن أصبحت الصين لاعبا رئيسيا على الساحة العالمية، وقوة عالمية كبرى في القرن الحادي والعشرين وصاحبة تأثير فعال في الكثير من مناطق وقارات العالم.
إنجازات تاريخية:
في عام 1971، قام هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق بزيارة سرية للصين.. مهدت الطريق لعقد قمة أميركية- صينية في بكين عام 1972 بين الرئيس نيكسون والرئيس الصيني ماو تسي تونج أدت إلى تطبيع العلاقات بين البلدين..
الآن يقول كيسنجر بمناسبة مرور ستين عاما على تأسيس جمهورية الصين الشعبية، إنه عندما زار الصين لأول مرة في السبعينات من القرن الماضي لم يكن يتصور أن الصين ستتطور مثلما فعلت. ويقول إنه من خلال "الرؤية" و"التفاني" و"الوطنية" للشعب الصيني.. تم إحراز هذه الإنجازات الهائلة. وحتى هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأميركية الحالية، تقول إن الصين حققت إنجازات تاريخية عن طريق تحرر الملايين من الناس من الفقر.
نموذج جديد:
ويؤكد تشانج بينج، مدير لجنة الدولة للتنمية والإصلاح في الصين، أن قدرة بلاده الشاملة على الإنتاج الزراعي والمستوى الذي بلغته في الميكنة شهد ارتفاعا ملحوظان، وأنه خلال السنوات الأخيرة بلغ حجم إنتاج الحبوب خمسمائة مليار كيلوجرام، ووصل نصيب الفرد من الحبوب إلى أربعمائة كيلوجرام، وهو ضعف رقم عام 1949 رغم أن عدد السكان زاد 1.5 ضعف عن عام 1949.
ويقول "تشانج بينج" إن الصين أطعمت نحو عشرين في المائة من إجمالي عدد سكان العالم اعتمادا على أقل من عشرة في المائة من إجمالي الأراضي الزراعية في أنحاء الدنيا. وهذا يعني أن الصين تقدم مساهمة مهمة في أمن الحبوب العالمي.
ومما يلفت النظر أن الإنتاج الصناعي الصيني شهد زيادة سريعة مع ارتفاع مستمر في مستوى التحديث، بحيث أصبحت الصين دولة كبيرة في العالم في ميدان الصناعة الإنتاجية. وقد بلغت القيمة المضافة للصناعة الصينية 12.9 تريليون يوان "الدولار يعادل 6.7 يوان" في عام 2008، بزيادة 25.6 ضعفا عن عام 1978 بالحساب على أساس الأسعار الثابتة، وبزيادة نحو مائة ضعف عند المرحلة الأولية التي أعقبت تأسيس الصين الجديدة.
قفز حجم الصناعة العالمية والجديدة التكنولوجية بما فيها المعلومات والطيران والملاحة الفضائية والطب والأدوية والمواد الجديدة، إلى المركز الثالث في العالم. وخلال الستين سنة الأخيرة، تطورت صناعة الخدمات الصينية تطورا هائلا وتجاوزت القيمة المضافة للصناعة الثالثة 12 تريليون يوان في عام 2008، أي بزيادة 84 ضعفا عن عام 1952. وفي نفس الوقت أصبحت الصين أكبر دولة منتجة للطاقة في العالم.
ربما يكون هذا هو السبب في أن الأستاذ الفرنسي "بيير بيسكار" يرى أنه من الضروري أن تواصل الصين طريقها، حيث إن "الطريق الذي اختارته هو الطريق الصحيح، كما أن النجاحات التي حققتها والتي ستواصل تحقيقها تقدم لعالمنا نموذجا جديدا في التنمية".
شهادة ابن بطوطة:
بعد ألفي عام من حكم الأباطرة، وبعد مائتي عام من الحروب والغزوات الاستعمارية بزغت دولة جديدة على الخريطة السياسية العالمية.
بلد يتشكل من 56 قومية "أكبرها قومية الهان التي تمثل قرابة 92 في المائة من إجمالي سكان الصين لكل منها لغته الخاصة، وإن كانوا يتعاملون فيما بينهم باللغة الرسمية "الماندرين"". ولم يعرف العالم حضارة حافظت على نقاء شخصيتها وهويتها عبر خمسة آلاف سنة.
كان الدكتور جمال حمدان يقول إن ضخامة حجم الصين الساحق- سكانها وعمقها الجغرافي- جعلها كالمحيط الذي تذوب فيه كل العناصر الدخيلة ويقضي على كل الضربات الخارجية، ومن هنا امتازت الصين بقوة امتصاص نادرة.. وهضمت كل انبعاثات أو إضافات غريبة..".
وقبل أكثر من 900 سنة كتب "ابن بطوطة" في كتابه "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" أن الصين "أعظم الأمم إحكاما للصناعات وأشدها إتقانا لها، وذلك مشهور من حالهم".
مشروع انتقاط الخمس:
منذ تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وهي تقف إلى جانب العرب وقضاياهم، وخاصة قضية فلسطين، ولم تعترف بإسرائيل إلا بعد أن شرع العرب يتعاملون معها. وأتذكر المظاهرات الحاشدة التي جرت في الصين احتجاجا على العدوان الثلاثي على مصر وتضامنا مع العرب في مواقف كثيرة، وغضبة الصينيين إزاء محاولات الاعتداء على الأقصى.
ومنذ سنوات، تطالب الصين بعالم متعدد الأقطاب يحل محل عالم القطب الواحد، وترفض الهيمنة الأميركية المنفردة على العالم كما تقيم علاقات وثيقة مع الدول الإفريقية ودول في أميركا اللاتينية إلى جانب الدول الآسيوية. والصين عضو مؤسس في حركة التضامن الإفريقية والآسيوية في مؤتمر باندونج عام 1900.
غير أن القضية الرئيسية التي تهمنا الآن في الموقف الصيني هي قضية الأسلحة النووية؛ والغريب أن الإعلام العربي لم يبد اهتماما كافيا بهذا الموضوع. فقد قدم الرئيس الصيني "هو جينتاو" مشروعا يتكون من خمس نقاط لإقامة عالم أكثر أمانا للجميع، في كلمته أمام ما سمي بالقمة النووية في مجلس الأمن والتي أعلن فيها أن الانتشار النووي يظل مشكلة ملحة كما أن نزع الأسلحة النووية تظل مهمة طويلة وشاقة؛ ومن ثم فإن إزالة خطر الحرب النووية هي المهمة الأولى التي تواجه دول العالم.
أما النقاط الخمس فهي:
- أولا: المضي قدما وبقوة لنزع السلاح النووي للحفاظ على التوازن والاستقرار الاستراتيجي. ويجب أن تنفذ جميع الدول النووية التزاماتها عن طيب خاطر بموجب المادة "6" من معاهدة خطر الانتشار النووي. وتتعهد علنا بأنها لا تسعى إلى حيازة الأسلحة النووية بشكل دائم على أن تواصل الدول التي تملك أكبر الترسانات النووية إجراء تخفيضات في أسلحتها النووية بشكل كبير وجوهري".
ومن أجل تحقيق الهدف الأسمى، وهو نزع السلاح النووي نهائيا، يتعين على جميع الدول وضع خطة واقعية وطويلة الأجل، في الوقت المناسب، تتضمن العمل على مراحل لتنفيذ خطوات، منها إبرام اتفاقية تحظر الأسلحة النووية حظرا كاملا.
- ثانيا: التخلي عن سياسة الردع النووي واتخاذ إجراءات التقليل من خطر الأسلحة النووية على أن تلتزم جميع الدول النووية التزاما قاطعا وغير مشروط بعدم استخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها ضد الدول غير النووية أو ضد مناطق خالية من الأسلحة النووية، وابرام وثيقة دولية ملزمة قانونيا لهذا الغرض. وفي تلك الأثناء على الدول النووية الدخول في مفاوضات وتوقيع معاهدة تنص على منع البدء باستخدام الأسلحة النووية ضد طرف آخر.
- ثالثا: تعزيز النظام الدولي لحظر الانتشار النووي ومنع انتشار الأسلحة النووية. ولا بد من انضمام جميع الدول إلى معاهدة حظر الانتشار النووي وبذل جهود حقيقية لدعم وتقوية سلطة وفاعلية هذه المعاهدة، وتعزيز مهام الوكالة الدولية للطاقة الذرية لتفعيل الضمانات اللازمة لتحقيق ذلك. وينبغي على جميع الدول أن تنفذ بدقة التزاماتها وفقا لمعاهدة حظر الانتشار النووي وتحجم عن اتباع المعايير المزدوجة وتشدد وتحسن الرقابة على الصادرات بهدف منع هذا الانتشار.
- رابعا: الاحترام الكامل بحق جميع الدول في الاستخدام السلمي للطاقة النووية وتحقيق تعاون دولي فعال؛ وعلى الدول المتقدمة تقديم يد المساعدة للدول النامية في تطوير واستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية. وعلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن تدفع هذا التعاون من أجل تقديم المساعدة التقنية في الطاقة النووية والأمن النووي وتطبيق التكنولوجيا النووية.
- خامسا: اتخاذ اجراءات قوية لتعزيز الأمن النووي وتقليل المخاطر النووية، وتطبيق التكنولوجيا النووية.
غياب عربي:
تطبيق هذه النقاط الخمس يعني إرغام إسرائيل على الاذعان لمتطلبات الانتماء إلى الأسرة الدولية، كما أنه يشكل برنامجا واقعيا لإقامة عالم خال من الأسلحة النووية على المدى الطويل.
ومع الاقتراب من عالم متعدد الأقطاب تلعب فيه الصين دورا هاما ومتميزا، ومع انحسار النفوذ الأميركي في العالم، وانكسار سياسة الهمينة المطلقة والمنفردة على المعمورة فإن فرص "مشروع النقاط الخمس كبيرة للفوز بتأييد دول العالم رغم التعتيم الاعلامي المفروض عليه، ورغم أن أصحاب المصلحة الأكبر- العرب- غائبون تماما كعادتهم.. فهم ليسوا في حال يتيح تنمية اقتصادية مستقلة وحقيقية "ونهضة علمية أو اختراق تكنولوجي بل إنهم عجزوا حتى عن الدفاع عن تقرير لجنة الأمم المتحدة حول جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة.. وحمايته من مراسم الدفن في لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان!!.
|