الأحد 18 -05-2008 م الموافق 13 جمادي الاولى
1429 هق
بقلم : د.عصام نعمان
حرب
سـجال ومعركة كر وفر، تلك هي حقيقة المواجهة المفتوحة بين السلطات
الموريتانية ومسلـحين من السلفية الجهادية، محسوبين على تنظيم "القاعدة
في بلاد المغرب الإسلامي".
هذه المواجهات التي كانت نواكشوط مسرحا لها خلال المدة الماضية، بعد أن
وقعت قوات الأمن الموريتانية أثناء تعقبها للسجين الهارب سيدي ولد
سيدنا، المتهم بقتل أربعة سياح فرنسيين خلال أعياد الميلاد الماضية،
على منزل كانت بداخله مجموعة مسلحة اشتبكت مع الشرطة قبل أن يتمكن
ثلاثة من عناصرها من الفرار، مخلفين وراءهم قتيلا وجريحا تـوفي لاحقا،
إضافة إلى قتيل وتسعة جرحى في صفوف قوات الأمن الموريتانية.
هذه المواجهات شكـلت بداية لتحد أمني وسياسي لم تكـن السلطات
الموريتانية قد أعدت له العـدة، خصوصا وأن الرئيس الجديد للبلاد سيدي
محمد ولد الشيخ عبد الله سبق وأن عبـر عن قناعته بأن موريتانيا غير
مهددة بخطر الإرهاب، وأفرج عن عشرات من معتقلي التيارات السلفية، فيما
برأ القضاء ساحة الكثيرين منهم، كل ذلك أملا في التوصل إلى هـدنة
متبادلة مع هذه الجماعات، التي كان رئيس الجمهورية يعتقد أن ملاحقتها
هي بمثابة استفزاز لها، وأن مهادنتها أمنيا تقتضي تجنب مواجهتها.
لكن الرد جاء سريعا من هذه الجماعات، التي نفـذت "عملية ألاك" في
الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي، والتي قتل فيها أربعة سياح فرنسيين
قرب مدينة ألاك (مسقط رأس رئيس الجمهورية)، وكانت المفاجأة في تلك
العملية هي أن اثنين من منفـذيها الثلاثة، أفرج عنهم بعد وصول الرئيس
الحالي إلى سدة الحكم، أحدهما بموجب حـكم بالبراءة صادر عن محكمة
الجنايات بنواكشوط، والآخر أفرجت عنه الشرطة قبل إحالته إلى القضاء،
وبعد ذلك بيومين، وبالتحديد في السابع والعشرين من ديسمبر الماضي، ضربت
الجماعات المسلحة من جديد في خاصـرة النظام الموريتاني، حيث قتل مسلحون
تابعون لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي – كما أعلن التنظيم في
بيان له – ثلاثة جنود موريتانيين في كمين نصبوه لدورية عسكرية شمال
البلاد، ورغم ذلك، حرص النظام على مستوى من ضبط الأعصاب، فكانت
الاعتقالات محدودة في صفوف المشتبه في انتمائهم لهذا التيار.
ولم تكتف هذه "الجماعات الجهادية" بتسديد ضربتين في الصميم إلى مصداقية
تحليل الرئيس الموريتاني ورؤيته لمستقبل العلاقات المهادنة معها، فنفـذ
عناصر تابعون لها هجوما فجر اليوم الأول من شهر فبراير الماضي على مقر
السفارة الإسرائيلية بنواكشوط، أصيب خلاله أربعة أشخاص كانوا في ملهى
ليلي مجاور للسفارة، وقد تبنـت "القاعدة" هذا الهجوم، وأكـدت الشرطة
الموريتانية أنه من تخطيط وتنفيذ الناشط السلفي الهارب من السـجن
الخديم ولد السمان، فحاولت السلطات الموريتانية احتواء الموقف قبل أن
يتطور، واستقبل الرئيس الموريتاني شخصيات من الرموز العـلمية للتيار
السلفي في موريتانيا، ممـن يوصفون بالاعتدال، أملا في وضع حد لنشاط
مجموعة الشباب المسلحة على الأراضي الموريتانية، وأفرج النائب العام عن
مـعظم المعتقلين على خلفية تلك الأحداث.
قصور أجهزة الأمن وترهـلها
هذا الإصرار من العناصر الجهادية على نقل المعركة إلى الأراضي
الموريتانية، وما قابله من تعاط رسمي، ينكب التصعيد العشوائي
والاعتقالات الجزافية، رافقه كذلك مستوى من الإخفاق الأمني الذي كشف عن
ترهـل كبير في المنظومة الأمنية للبلد، والمعروفة بأنها كانت في الماضي
أحد بؤر الفساد الذي نخر أجهزة الدولة على مدى الفترات الماضية، فجاءت
حادثة هروب السجين سيدي ولد سيدنا المتـهم بالمشاركة في عملية قتل
السياح الفرنسيين، لتكشـف حقيقة التـداعي الأمني في البلد، بل وأكثر من
ذلك، أعادت هذه الحادثة البلاد إلى أجواء صراع الأجهزة الرسمية
وانشغالها بالكـيد لبعضها البعض، مع تأكيد نفوذ الأجهزة الأمنية
والاستخباراتية على حساب الجهاز القضائي، فانتقلت مسؤولية حراسة وتأمين
السـجناء من عنق رجال الأمن إلى كاهل المؤسسة القضائية، التي حمـلت تلك
المسؤولية ودفعت ثمنها، لأن القضاء في موريتانيا ما يزال قاصـرا عن
الوصول إلى عتبة النفوذ القوي التي تخطـاها الأمن وأجهزته.
كما شكـلت تلك الحادثة منعطفا جديدا في تاريخ العلاقة بين السلطات
الموريتانية والجماعات السلفية الجهادية، حيث أكـدت تلك الجماعات حقيقة
عزمها نقل المواجهة المسلـحة إلى عـقر دار النظام الموريتاني، حيث أطلق
ولد سيدنا النار بعد أقل من أربع وعشرين ساعة من فـراره على كمين
للشرطة كان قد نصب له، إلا أن السلطات ظلـت تقرأ الأحداث بسذاجة
وبتفاؤل مـفرط، فركـزت في مجهودها على تعقـب ولد سيدنا، وهي تأمل أن
يكون وحيدا أو بصـحبة "دراويش" لا حول لهم ولا قوة، وبعد توصـلها
بمعلومات عن وجود مشبوهين في أحد أحياء العاصمة نواكشوط، تحركت دوريات
الشرطة، لكن التحدي كان أكبر من المتوقع، حيث فوجـئ رجال الشرطة الذين
تم تسليح أغلبهم بالهراوات والغازات المسيلة للدموع، بنيران الأسلحة
الخفيفة والمتوسطة وقاذفات الـ "آر بي جي" وهي تنهال على رؤوسهم،
لينجوا بعد ذلك ولد سيدينا واثنين من رفاقه من حصار شاركت فيه كل
الوحدات العسكرية والأمنية في البلد.
ارتباك وأخطاء قاتلة
بعد هذا الحادث، تعاطت أجهزة الأمن مع الواقع الجديد بشيء من الارتباك
والاضطراب، فارتكبت أخطاء قاتلة أودت بحياة أبرياء وقادت إلى اقتحام
منازل آمنة وترويع ساكنتها، لكن الاكتشافات تواصلت، ليـعلن عن
سيناريوهات فظيعة كانت على وشك التنفيذ في البلد، حيث تم اكتشاف منزلين
في حي تفرغ زينة – وهو حي بورجوازي، أغلب سكانه من كبار المسؤولين
ورجال الأعمال، إضافة إلى الأجانب المقيمين في البلد – وعثر بداخلهما
على أسلحة ومتفجرات وكميات كبيرة من مادة "تي أن تي" الشديدة الانفجار،
كما تم العثور على مخطط جاهز لتنفيذ هجمات بسيارات مفخخة، كانت ستستهدف
مصالح غربية ومحلية – حسب تصريحات النائب العام – وفي مقدمة هذه
المصالح – حسب المصادر الأمنية – سفارتا فرنسا وإسرائيل بنواكشوط،
ومباني إدارة الأمن والسجن المدني في العاصمة.
وتحولت نواكشوط إلى منطقة عمليات - دون أن تـعلن رسميا فيها حالة
الطوارئ - يترقب سكانها في أية لحظة وفي أي حي تجدد المواجهات المسلحة
وتكرر الاقتحامات الليلية، وأصبح الكثير من المواطنين يخشـون رصاص
الشرطة وصـولـة كتائب أجهزة الأمن، أكثر من خـشيتهم لرصاص "الإرهابيين"
وجولات "كتائب الزرقاوي" و"بلعور" و"بن لادن".
أمير جديد.. و"جهاد جديد"
هذه الأحداث حولت موريتانيا من قاعدة خلفية للتنظيمات المتشددة، كانت
في السابق تستغل هشاشة منظومتها الأمنية وشساعة مساحتها الجغرافية
وترهـل بنيتها الإدارية وطبيعة مجتمعها البدوية المنفتحة، لتتـخذ منها
قاعدة خلفية لتزوير الوثائق وتهريب المطلوبين وإخفائهم، والتزود
بالمئونة والأدوية والسلاح، بالنسبة للمجموعات المقاتلة في الصحراء
الواقعة بين مالي والجزائر وموريتانيا، فأصبحت الأراضي الموريتانية
مسرحا لعملياتها المسلحة.
لكن فرض "القاعدة" لهذه المواجهة، رغم مساعي السلطات الموريتانية
لتجنـبها، دفعت الكثيرين إلى التساؤل عن الأسباب التي أدت بها إلى
مواجهة نظام سعى لتفادي الاحتكاك بها، في وقت أحجمت فيه عن تحريك أي
ساكن في وجه النظام السابق الذي سعى لاستئصال شأفتها.
فهل الأمر يتعلـق بخطأ ارتكبه النظام الحالي في مهادنته لهذه الجماعة،
أم أنه لا علاقة بين تصرفات النظام الحالي وسلفه، وما حصل من قناعة لدى
هؤلاء بنقل المعركة إلى الأراضي الموريتانية، وبالتالي، فإن تصرفاتهم
هي نتاج طبيعي لتطور نشاطهم وفكرهم، وأن صفة "المغاربية" التي اكتساها
تنظيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال الجزائرية، بعد أن تحول إلى
تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، جعلت الأراضي الموريتانية جزء
من مساحة تحركه ومنطقة عملياته، شأنها في ذلك شأن الأراضي الجزائرية
وغيرها من البلدان المغاربية، فضلا عن أن الكثيرين يـؤمنون بوجود علاقة
سببية بين التطورات الأخيرة والنشاطات المتزايدة لعناصر "القاعدة" في
موريتانيا، التـغيير الذي حصل في قيادة "المنطقة التاسعة" التابعة
للتنظيم والمتمركزة في شمال مالي، والتي تتبع لها موريتانيا ودول
الساحل وجنوب الصحراء، حيث عزل التنظيم قبل سنة من الآن أمير تلك
المنطقة، وهو خالد بلعباس الملقب بلعور، واستبدله بأمير جديد هو يحيى
جوادي، المدعو ''يحية أبو عمار''، حيث يعتقد المراقبون أن الأمير
الجديد للمنطقة ينتهج سياسية توسيع "النشاط الجهادي"، خصوصا في
موريتانيا التي يعتبرها حليفا للولايات المتحد الأمريكية وإسرائيل.
=======================================
* كاتب موريتاني