مصطفى عثمان اسماعيل يعترف بالأخطاء وراء دارفور

 
   

الخميس 18/10/2007م الموافق 6/شوال/1428هق

حاوره : محمد العطيفي

 


 


 

  لم يخرج السودان من معضلة الحرب الأهلية فى الجنوب، حتى انفتحت ابواب حرب أهلية أخرى ما تزال تدور رحاها فى دارفور "الغرب". ومثلما كانت حرب الجنوب مصدر تدخلات وضغوط اجنبية، تحتل الحرب في دارفور رأس الأولويات بالنسبة للعديد من القوى الدولية وفي مقدمتها، طبعا، الولايات المتحدة التي تذرف دموع التماسيح على الضحايا المدنيين هناك "من دون ان تذرف دمعة واحدة على مليون قتيل واربعة ملايين مهجر وثمانية ملايين جائع من جراء جرائم احتلالها للعراق". ولكن مثلما ان رائحة النفط فى العراق هي التي سوغت بركة الدماء و"نزعات الديمقراطية" في العراق، فان رائحة مماثلة هي التي تسوغ نزعات التماسيح "الانسانية" في دارفور.

لمناقشة الأوضاع حول دارفور، كان لنا لقاء مع الدكتور مصطفى عثمان اسماعيل وزير الخارجية السوداني الاسبق، ومستشار الرئيس السوداني عمر البشير، ومبعوث الجامعة العربية لكل من العراق ولبنان، في مبنى السفارة السودانية في لندن. وفي جلسة اخوية فتح مصطفى اسماعيل قلبه لنا، وطال بنا الوقت في الحديث وافاض ولم يبخل. في وقت كان السفير السوداني بلندن السيد عمر صديق والذى ساعد في ترتيب اللقاء ينبهه الى موعده مع احدى محطات التلفزيون. فمشكلة دارفور تحتل حيزا كبيرا من الاهتمامات على الساحة الدولية.

وسألنا السيد مصطفى:

- كيف ترى المخرج والحل الامثل لمشاكل السودان الحالية؟
- نحن لدينا الآن قناعة لعلاج تلك المشكلة من خلال خطة عمل من أربع محاور رئيسية. المحور الاول: وهو ما نعطيه الاولوية في اهتمامنا، قضية دارافور لانها تأخذ حيزا كبيرا على الساحة العالمية في الوقت الراهن، واصبحت ازمة يراد استخدامها لتنفيذ أجندة تخدم فئة معينة. تداعيتها ستنعكس على دول الجوار وعلى منطقة الشرق الاوسط. ليس هذا فحسب، بل جعلت السودان في صراع مع المجتمع الدولي. فهذه القضية اولى اولوياتنا في الوقت الحالي، وامل أن ننتهي من هذه المشكلة بنهاية هذا العام. وذلك عبر معالجة سياسية تقوم بها الامم المتحدة والاتحاد الافريقي، وايضا عبر معالجة امنية يقوم بها خليط من الامم المتحدة والاتحاد الافريقي ايضا.

المحور الثاني: هو محور تنفيذ اتفاقيات السلام، بمعنى كل اتفاقيات السلام التي تم التوقيع عليها، سواء اتفاقيات سلام الجنوب الذي تم التوقيع عليه مع الحركة الشعبية، أو اتفاق سلام الشرق، أواتفاق القاهرة، والذي تم التوقيع عليه مع التجمع الديمقراطي، أو اتفاق دارفور الذي نسعى لاستكماله حاليا. هذه الاتفاقات مهمة جدا، لانها ستحقق الاستقرار من خلال توزيع الثروة والسلطة بشكل عادل يرضى به الجميع، وأيضا التوزيع العادل للسلطة. وأن يتم سحب السلاح ممن هو خارج قواتنا المسلحة. وهذا معناه تنزيل هذه الاتفاقيات لامر الواقع لانها ستنزع فتيل الصراع، وستبدد الحجة التي يرتكز عليها كل من يحمل السلاح، وهذا سيجعل المناطق السودانية قوية بقوة مواطنيتها وسودانيتها.





 

المحور الثالث: العملية الديمقراطية. فالتحول الديمقراطي مهم جدا في السودان. السودان بلد متعدد الاعراق، ومتعدد الاديان، ولاتنسى أن هناك قبلية مقيتة. هذه القبلية من الممكن أن تقود الى تدمير البلد. وعندنا طائفية.
في السودان هناك ثلاث خيارات، إما أن يتجمع الناس في اطار القبلية، أو الطائفية وكلاهما له من السلبيات ما يهدد أمن أي وطن، اما الخيار الثالث هو في إطار الاحزاب السياسية، وهذا يعتبر الحل الامثل. في هذه الحالة سيمكن من خلالها الانصهار للتنوع في الحزب الواحد ستجد المسيحى والمسلم، والانصهار يقوي الوحدة الوطنية. فلابد من المحافظة على وحدة السودان من خلال العملية السياسية، وهذا ما نعمل عليه الان من خلال اعادة النظر في قانون الانتخابات، وقانون الاحزاب لاحداث وفاق سياسي بين كافة القوى السياسية. والان هناك لجنة يرأسها الرئيس السابق المشير سوار الذهب، تشارك بها كل الاحزاب، والكتل السياسية وتسمى "هيئة جمع الصف الوطني" لكى تصل الى ثوابت تلتقى عليها القوى السياسية، وتهيء الاجواء لدخول الانتخابات. وهناك محاولات من زعيم التجمع الوطني الديمقراطي. هذه المبادارات السياسية للوفاق تكمل بالقوانين التي تمهد للانتخابات، وتصبح الانتخابات القادمة هي الخطوة الاولى لدعم مبادىء ديمقراطية تساعد على تداول سلمي للسلطة، وتوزيع عادل للثروة.

المحور الاخير: هو عملية الاستفتاء. الان امامنا واقع الا وهو الاستفتاء الذي سيجري في نهاية الفترة الانتقالية. هذا الاستفتاء حسب ما هو منصوص بالاتفاقية يجب أن يعمل الجميع على أن يكون الخيار الافضل هو "وحدة السودان". وهذا اكبر تحدي أمام الحكومة السودانية الحالية. تحتاج الحكومة السودانية دعم اشقائها وجيرانها العرب والافارقة لمواجهة هذا التحدي الكبير ليستطيع السودان تجاوز المحنة الحالية. هذه المحاور الاربعة هي التي تشكل أسس استقرار السودان في المرحلة القادمة.

- مشكلة دارفور تعتبر من الامور "حديثة العمر"، وهي تختلف عن مشكلة الشمال والجنوب. ما هي ابعادها الحقيقية؟

- دارفور أزمة سودانية، تم استغلالها لاجندة غربية. هذا هو اختصار لازمة دارفور ... هي ازمة مركبة بمعنى انها اتت نتيجة انتشار القبلية في دارفور، وتعتبر منطقة دارفور من اكبر المناطق التي تتسم بالقبلية العميقة في السودان كنقطة اولى. النقطة الثانية: انتشار السلاح في دارفور. والنقطة الثالثة عدم استقرار دول الجوار بالنسبة لمنطقة دارفور مثل تشاد وافريقيا الوسطى. الجفاف والتصحر ايضا لعب دورا في خلق الصراع القبلي، وعلينا أن نضع في الاعتبار امتدادات هذه القبائل في دول غير مستقرة مثل تشاد. كل هذا خلق بيئة مؤهلة لتوترات كانت موجودة، لكنها كانت تعالج عن طريق العدالة التقليدية. من هنا يمكنا وصفها على انها ازمة. لكن هذه الازمة استغلت لاجندة سياسية غربية ....تخدم اهدافا صهيونية في المقام الاول.

اولا: اسرائيل منذ حرب يونيو- حزيران 1967 كانت تواجه العرب والافارقة معا وقطع الافارقة العلاقات مع اسرائيل. فكان هدف اسرائيل الاول والاخير، احداث شرخ في جدار العلاقة العربية الافريقية والتدخل في القارة. القوى التي تصعّد قضية دارفور في الغرب هي قوى صهيونية. هم يريدون عرض قضية دارفور على اساس انها قضية عرقية. قضية صراع بين العربي من جهة والافريقي من الجهة الاخرى. نجح القادة الافارقة في تحاشى هذا الفخ بعد أن كادوا يقعون فيه. ولا انكر أن الحكومة السودانية كانت ذكية عندما طالبت وكانت مصرة على أن تكون القوات في دارفور، قوات افريقية، حتى لا تعطى المبرر بأن هناك قضية "عرب و افارقة".
النقطة الثانية: اسرائيل استراتيجيتها هي خلق دول تقوم على العرقية. ولو نتذكر بيافارا في نيجيريا أول دولة اعترفت بها كانت اسرائيل، ولذلك الآن اسرائيل ترغب في اقامة دولة قائمة على العرق في دارفور.
النقطة الثالثة: اللوبي الصهيوني العالمي يحاول أن يقود تيارا يثير مزاعم عن أعمال إبادة. ولذلك دفعت الادارة الامريكية الى ان تقول إن هناك "ابادة" في اقليم دارفور باعتراف الامم المتحدة. وظلت المنظمات التابعة لذلك اللوبي تحاول أن تأخذ الحق الادبي في دفاعها عن تلك المزاعم. كوسيلة استطاعت من خلالها أن تبتز الغرب من أجل تلقى الدعم المالي والعسكري.
النقطة الرابعة: هي محاولة اسرائيل أن تعطى اشارة الى الرأي العام الغربي في أن العربي الذي يتم قتله وتدميره في فلسطين، هو نفس العربي "الجنجويد" الذي يقتل ويغتصب الافارقة في دارفور، لتوحيد الصورة. هو فقط تبرير لها لكى تقتل الفلسطيني. ولتأكيد أن دارفور ازمة فقط يراد استغلالها هناك ، وما قاله استيف بلوم فيلد من جريدة الانديبندت البريطانية، يوضح لك مدى رغبة الغرب في ضرب العلاقات العربية الافريقية. قال: "عدد القتلى في الكونغو الديمقراطية 4 مليون شخص ولم يوجد من يتحدث عنهم". هذا يوضح لك سوء النية لدى الدول الغربية. لماذا لم يصعدوا قضية الكونغو بهذا الحد الذي يدفعون به قضية دارفور؟

_ على المستوى العربي، تتأخر الحكومات احيانا في علاجها للمشكلات، عندكم في السودان تأخرتم الى حين أن حملت القبائل السلاح؟
- الوضع غير هكذا. نحن دائما نحاول حل المشاكل في وقتها. خذ مثلا اكبر مشكلة الا وهي مشكلة الجنوب. اخفقت كل الحكومات السودانية فيها، المشكلة بدأت في عهد النميري. فقط هذه الحكومة التي استطاعت أن تحلها، وهذا يرجع الى ان السودان مستهدف وهناك قوى لا تريد الخير له بخلق قضايا من منطقة الى أخرى على ارضه.






 

- في دارفور، لماذا اخفقت الدولة في علاج المشكلة.. لماذا لم تتدخل الدولة في فرض سيطرتها على الاقليم بقوة السلاح، وهذا امر مباح للدولة للمحافظة على وحدتها الوطنية وسلامتها وقمع أي تمرد؟
- لم تتدخل الدولة مبكرا في دارفور، لان العدالة هناك عدالة تقليدية. عندما اتت هذه الحكومة أول ما قامت به مؤتمر للصلح في دارفور، وذلك مراعاة للظروف القبلية التي تعيشها دارفور. لا تنسى أن ثورة مايو-أيار بقيادة جعفر نميري كان لها اتجاه شيوعي، له ايديولوجية خاصة لا تعترف بالعرف والمكونات الاساسية للمجتمع، وهذا بدوره اجتث دور الادارة الاهلية التي كانت موجودة هناك في دارفور. ساعد تسليح القبائل في فترة الصادق المهدي خصوصا قبائل الرزيلة لمواجهة الحكومة. وحرب الجنوب ساعدت في ان يكون هناك سلاح في المنطقة لدى البعض من القبائل. انا لا ابرىء الحكومة من الاخطاء، لكن هناك ايادٍ خارجية. القبيلة التي قادت التمرد في دارفور هي نفس القبيلة الحاكمة في تشاد قبيلة "الزغاوه" وبالتالي ازداد تدفق السلاح، في الوقت الذي رفضت القبائل الأخرى الدخول في التمرد، فنشب صراع بين اولئك الذين يدعمون التمرد وأولئك الذين يرفضون. فقامت الحكومة بتسليح القبائل غير المتمردة لكي تواجه التمرد. لكن المخطط كان كبيرا، ويريد تحويل دارفور الى موقف اشبه بالعراق.





 

هل هذا اعتراف منك بأن الحكومة لعبت دورا في خلق الازمة باعطاء سلاح لمجموعة ضد الاخرى؟
- انت لا تستطيع ان تبرىء جهة بعينها في دارفور، اولاد وابناء دارفور مسؤولون سواء في الداخل اوالخارج عن التشوية الذي حدث لدارفور، الحكومات المتعاقبة، وحتى الحكومة الحالية مسؤولة عمّا حدث في الاقليم من تقصير في التنمية وغيره من المسئوليات. القوى الدولية والتي لها اجندة خاصة، مسؤولة عن تصعيد القضية واخراجها للرأي العام بهذه الصورة.

- هل تثق في الموقف الامريكي على المستوى السياسي حاليا؟
- لا، على الاطلاق..لا

- يقال أن هناك ملف الابادة الجماعية سلمته السودان لامريكا، مقابل صفقة يتم على اثرها تهدئة الوضع في دارفور... وعلى ما يبدو أن امريكا أخذت الملف، وازدادت المشاكل في دارفور ووقف المجتمع الدولي ضد السودان؟ بالبلدي "ضربت عصفورين بحجر"؟ وكنت انت وزيرا للخارجية؟
- اولا، اقول لك نحن في السودان لا سلمنا ملف ولا استلمنا ملفا من امريكا. هذه النقطة الاولى، اما النقطة الثانية فهي، من هو المجتمع الدولي: اذا كنا وصلنا لاتفاق مع الاتحاد الافريقى ومع الامم المتحدة، والان فان من يحاول تخريب الاتفاق هم الامريكيون والانجليز. فمن هو اذن ضد المجتمع الدولي؟
- اذن لماذا لم تبادر الجامعة العربية لابعاد تدخل الغرب في شؤون السودان. حتى مشاركة المجتمع المدني في الاغاثة يقل وجود العرب فيه، ووجود مؤسسات المجتمع المدني الغربية احيانا تلعب دورا في تأجيج الازمة وزرع الفتن احيانا في اماكن عملها؟
- كلامك مؤكد بخصوص مؤسسات المجتمع المدني، اما الجامعة العربية فاراداتها من ارادة دولها.. مدى حركة الجامعة العربية مرتبطة بمدى الارادة السياسية للدول الاعضاء فى الجامعة.. وكم من الملفات اسندت للجامعة، وللاسف عملت على ايجاد حلول لها لكن الارادة السياسية للعمل العربي متراجعة.. وهذا منعكس على عمل الجامعة العربية.

- هل يمكن القول انه لا قيمة من وجود جامعة عربية؟
هي عندها مساحة للتحرك، ما يحكم المساحة هو الدول التي بها. هي اسمها جامعة الدول العرب.. لكن عمرو موسى لا يستطيع أن يتحرك الا في المساحة التي تريده الدول العربية التحرك فيها.
عمرو موسى تحرك في لبنان، لو وجد دعما عربيّا قويّا لما كانت طارت القضية ليد فرنسا.. عمرو موسى تحرك في العراق، لكن اخيرا وجدنا الجامعة العربية، وأنا ممثل الجامعة العربية في العراق، الدول العربية انسحبت واصبح القرار في يد مجموعة من الدول الغربية وبعض الدول العربية، لكن الدور العربي بصفة عامة تقل مساحته يوما بعد الاخر. والدول العربية ليس لديها ارادة العمل الجماعي. واقع التجزئة اصبح ينخر في الجسد العربي، الجامعة العربية تريد أن تعمل، لكنها تحتاج الى قوة كبيرة داعمة لها. في قمة الخرطوم طلبنا 150مليون دولار، لان افريقيا لديها 2 مليون ومائتى الف جندي هذا هو حجم القوات المسلحة الافريقية.
وكل ما كنا نحتاجه لدارفور هو عشرون الف جندي. افريقيا ليس لديها مشكلة قوات، لكن لديها مشاكل مالية، في قمة الخرطوم طلبنا من الدول العربية تمويل القوات الافريقية في دارفور لمدة ستة اشهر بقيمة 150 مليون دولار... لكن ما تم الحصول عليه هو فقط 15 مليون دولار. ومن يدفع الان هو الاتحاد الاوروبي، الحقيقة العرب لا يدفعون شيئا.. وهذا شيء يشرح مدى ضعف الارادة السياسية العربية.
 


المصدر : العرب أونلاين

 

 

ارسل تعليقک على هذا المقال

الاسم

البريد الالكتروني

البلد

المهنة

عنوان المقالة

نص التعليق