الثلاثاء 26-08-2008م الموافق 24 شعبان 1429 هق

  بقلم : جين بيرليز



 
 

الان رحل برويز مشرف صديق اميركا المقرب، والسؤال هو: على اية شخصية تحديدا، من بين ذلك الخليط من الشخصيات الموجود حاليا في المشهد السياسي الباكستاني، سيقع اختيار اميركا عليه لاتخاذه حليفا جديدا في فوضى حربها ضد ''طالبان''.

وكان مشرف رئيس باكستان، وقائد جيشها طيلة فترة حكمه تقريبا، التي استمرت تسع سنوات قبل استقالته خوفا من تقديمه للمساءلة امام البرلمان- حليفا مريحا للولايات المتحدة يوفر لها كل ما تحتاج اليه من خدمات.

فقد اعتمدت عليه ادارة بوش في الحصول على الدعم العسكري اللازم لمواجهة ''طالبان'' في المناطق القبلية، وعلى المعلومات الاستخباراتية المطلوبة للقبض على المشتبه بانتمائهم لتنظيم ''القاعدة''. وعلى رغم ان اميركا، في خاتمة المطاف، لم تحصل على كل ما كانت تريده من مشرف، الا انه وفر لها على الاقل احساسا بان لديها نفوذا وحليفا في هذه المنطقة.

وبعد خروج مشرف من السلطة، اصبح المسؤولون في السفارة الاميركية في اسلام اباد في حيرة مـــن امرهـــم بشـــان تحديد الشخصية السياسية الباكستانية التي يمكن لاميركا ان تلقي بثقلها وراءها. وكان ''حزب الشعب''، اكبر احزاب المعارضة الباكستانية قد اصدر بيانا قال فيه انه سيرشح رئيسه ''اصف زرداري'' لخوض الانتخابات على منصب الرئيس، والتي ستجرى في السادس من سبتمبر المقبل. واذا ما اصبح زرداري رئيسا، فانه سيكون حليف واشنطن ''الافتراضي'' في هذه الحالة، على رغم ان النطاق الكامل لصلاحياته، ومدى التزامه، وقدرته على مقاومة تمرد ''طالبان''، لا تزال جميعا ابعد ما تكون عن الوضوح.

وكانت حكومة الائتلاف المدني الحاكم التي يقودها زرداري فعليا، قد اصيبت بالشلل بسبب النزاعات الداخلية بين اعضائها بشان اطاحة مشرف، والتي لا تزال تدور الان حول الشخصية التي يمكن ان تحل محله. وهناك ايضا خلاف بين اعضاء الائتلاف حول الارث المرير الذي تركه مشرف واهمه المشكلة الخاصة باعادة القضاة الذين اقصاهم العام الماضي الى مناصبهم.

وهذه النزاعات داخل الائتلاف الحاكم صرفت انظاره عن الاهتمام بالتصدي لتمرد ''طالبان'' الذي كثف من هجماته الانتحارية التي ادت الى عشرات الضحايا وكان اخرها الهجوم الانتحاري على مصنع الذخيرة الذي اسفر عن مصرع 78 شخصا واصابة 103 اخرين. في نفس الوقت، يحتدم الجدل بين المسؤولين الاميركيين بشان توقعاتهم بخصوص نطاق التعاون الذي يمكن لبلادهم الحصول عليه من ''اشفاق برويز كياني'' الذي حل محل مشرف في قيادة الجيش. فعلى رغم التفاؤل المبدئي بـ''كياني'' من قبل الاميركيين، الا انه سرعان ما تبين ان اهتمامه بالتصدي لـ''طالبان'' اقل كثيرا من اهتمامه برفع الروح المعنوية الاخذة في التاثر لقواته التي تعاني من نقص التدريب والمعدات.

كذلك، لا تجد الحكومة الاميركية في اي من ثلاثي الحكومة المدنية وهم زرداري وشريف ورئيس الوزراء يوسف رضا جيلاني مرشحا مثاليا تنطبق عليه الشروط التي تجعل الولايات المتحدة تتخذ منه حليفا في التصدي لـ''طلبان''.

فـ''جيلاني'' غير المعروف بما فيه الكفاية الذي اختاره زرداري لشغل منصب رئيس الوزراء، ترك انطباعا سلبيا عن ادائه العلني في اول زيارة له لواشنطن الشهر الماضي، وربما لا يكون الانطباع عن ادائه خلف الابواب المغلقة اقل سلبية. اما رئيس الوزراء الاسبق نواز شريف فهو في نظر العديد من صناع السياسات في واشنطن رجل قريب اكثر مما ينبغي من القوى الاسلامية في باكستان. وكونه يركب الان موجة الشعبية بسبب موقفه الجسور المناوئ لمشرف، لم يؤثر على الاميركيين كثيرا، كما يقول دانييل ماركي، الزميل الرئيسي في مجلس العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الاميركي. والرؤية التي قد تدعو للدهشة في واشنطن هي ان السياسي الذي يمتلك الورقة الرابحة في باكستان في الوقت الراهن هو زرداري زوج رئيسة الوزراء السابقة بينظير بوتو، والذي حل محلها في قيادة ''حزب الشعـــب''.فعلى رغم افتقاره للخبرة الكافية في شؤون الحكم، الا انه يدير من وراء الستار اكبر كتلة في البرلمان الباكستاني، كما انه في نظر الكثير من المراقبين، القوة الفعلية التي تقف وراء جيلاني، والتي تضطلع في الوقت الراهن بشؤون الادارة اليومية لسياسات الحكومة، وتعيينات المناصب الكبرى التي شملت بعضا من اصدقائه المقربين الذين امضوا فترات في السجن بسبب تهم بالفساد. وزرداري نفسه قضى ثماني سنوات كاملة وراء القضبان لكنه لم يتعرض للادانة ابدا، ولا يزال يصر على ان سجنه كان نوعا من الانتقام الشخصي من قبل خصومه السياسيين.

يشار الى ان تلك التهم قد تم اسقاطها مؤخرا كجزء من صفقة العفو مع مشرف التي تم التوقيع عليها عند عودته هو وزوجته ''بوتو'' الى باكستان. هذه الخلفية تجعل من زرداري شخصية محورية في المشهد السياسي الباكستاني الان خصوصا مع ما اعلنه حزبه من ترشيحه لخوض انتخابات الرئاسة. وبسبب ذلك كله، فانه من المتوقع ان يلتفت مسؤولو ادارة بوش الى زرداري باعتباره حليفهم البديل المرجح، وخصوصا بعد ما قيل انه ظهور ضعيف لـ''جيلاني'' في واشنطن. واذا ما تولى منصب الرئيس فعلا، فان زرداري يمكن ان يصبح واحدا من اقوى الشخصيات التي شهدتها باكستان على الاطلاق، خصوصا لانه من المتوقع ان يستمر في هذه الحالة بممارسة سيطرته على رئيس الوزراء.

والسؤال الاساسي الذي يتردد حاليا هو عما اذا كان زرداري سيمتلك- عندما يصبح رئيسا- تلك السلطات المطلقة التي كان يتمتع بها مشرف اي: هل ستكون لديه القدرة بموجب اصلاح دستوري على حل البرلمان؟ (تعهد التحالف الحاكم بالغاء هذه المادة). اما اذا ما افلح زرداري في استبقاء هذه الصلاحية، فان الولايات المتحدة ستكون في هذه الحالـــة قــد وجــدت الحليــف الذي يوفـــر لهـــا كــل مـا تحتاجه، وكل ما هنالك هو ان الشخصية التي ستؤدي لها هذه الخدمة ستكون مختلفــة عن حليفها السابق.

**********************************************************
المصدر: صحيفة نيويورك تايمز
 

 

ارسل تعليقک على هذا المقال

الاسم

البريد الالكتروني

البلد

المهنة

عنوان المقالة

نص التعليق