إسرائيل تخطط لحل
القضية الفلسطينية على حساب أراضي الدول العربية المجاورة
الخمیس 03-04-2008م الموافق 26 ربيع الاول 1429 هق
بقلم : غازي السعدي*
استبق حواتمه في كتابه «الانتفاضة ـ الاستعصاء»
الكتاب والسياسيين في إدراك دوافع أطروحات شارون حول موضوع تبادل
الأراضي وما يسمى بالقنبلة الديمغرافية الفلسطينية. وبين أن إسرائيل لا
تحمل مشروعاً حقيقياً للسلام، وأن محاولة إسرائيل تسوير قطاع غزة
وتحميل مسؤوليته للمصريين يندرج في الأفكار الإسرائيلية المتعلقة
بتبادل الأراضي، ورسم خارطة جديدة للمنطقة.
عشرات المبادرات ومشاريع التسوية السياسية، أطلقت منذ عام 1967، من قبل
جهات دولية مختلفة، وخاصة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، لكن هذه
المبادرات والمشاريع لم تترجم إلى واقع، وبقي الوضع على حاله،
فالاحتلال الإسرائيلي مستمر، فإسرائيل وبالدليل القاطع، أجهضت جميع
مشاريع السلام، وهي التي مازالت تحبط هذه المشاريع والمبادرات حتى التي
تقدمت بها حليفتها الولايات المتحدة، فأخذت مراكز الدراسات والبحث،
خاصة التي تقع تحت التأثير الأميركي ـ الإسرائيلي، تطرح مخططات
وسيناريوهات مختلفة لحل القضية الفلسطينية، لا تتفق مع قرارات الشرعية
الدولية، وتريد أن يكون الحل على حساب دول عربية مجاورة، ومن أهم هذه
الدراسات، الدراسة التي صدرت عن مؤسسة «راند» الأميركية عام 2005،
وأخرى أعدت من مجلس الأمن القومي الإسرائيلي عام 2004، ووثيقة
إسرائيلية صدرت في نهاية عام 2007، تحمل اسم «اكس» وهي الأخطر بين
الوثائق فهي تلغي حق العودة، وتتواءم مع ما أعلنه الرئيس «جورج بوش» في
الوثيقة التي قدمها «لأرسئيل شارون» رئيس الوزراء السابق في عام 2004،
والتي ألغت حق العودة، وما أعلنه في خطاباته في «أنابوليس» ولدى زيارته
للقدس ورام الله مؤخراً، والقاضية باستبدال حق العودة بالتعويض المادي.
إن دراسة مؤسسة «راند» الأميركية، التي جاءت في (400) صفحة، واشتملت
على خرائط، اعتمد معدوها، وفقاَ لأقوالهم، على اتصالاتهم الواسعة مع
جهات فلسطينية وإسرائيلية وعربية وأميركية، نالت ـ حسب أقوالهم ـ رضا
وقبول عدد من المسؤولين الغربيين، بينهم «توني بلير» أثناء توليه رئاسة
وزراء بريطانيا، فقد أوصت هذه الدراسة، بإقامة خط للسكك الحديدية، يربط
بين الضفة والقطاع، وتقوم الدراسة على أن عدد مواطني الدولة الفلسطينية
في الضفة والقطاع، سيصل عام 2020 إلى 6.6 ملايين نسمة، وتقترح الدراسة
أيضاً شق قناة لجر المياه دون توضيح من أين وإلى أين، وإنشاء شبكة
للطاقة، وخط من الألياف البصرية للربط بين البلدات والمدن الفلسطينية،
وأن خط ما يسمى «بالقوس» وفقاً للدراسة، قد يوفر ما بين (100) إلى
(160) ألف فرصة عمل للفلسطينيين على مدى خمس سنوات، ووفقاً لدراسة «راند»
فإن إقامة الدولة الفلسطينية يحتاج إلى (33) مليار دولار، لكن الاحتلال
الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، يبقى العائق الرئيسي أمام إقامة الدولة
الفلسطينية، وعقبة كأداء في تحقيق السلام، فالدراسة تتجاهل وجود
الاحتلال، ولا تتطرق إليه لا من قريب ولا من بعيد، كذلك فإن دراسة «راند»
تتجاهل الاستيطان، وجدار الفصل العنصري، بحيث دون إزالة هذه المعيقات
تبقى الدراسة حبراً على ورق، وللتعريف بمؤسسة «راند» فإنها تعرف نفسها
كهيئة بحوث، لا تسعى إلى الربح، وتقوم بإعداد الدراسات، في مواضيع
مختلفة حسب الطلب، وسبق أن أعدت دراسة تتعلق بإستراتيجية الولايات
المتحدة ومستقبل الشرق الأوسط والعالم الإسلامي بعد (11) أيلول (سبتمبر)،
بناء على طلب من القوات الجوية الأميركية، فهذه المؤسسة ذات علاقات
وثيقة بوزارة الدفاع الأميركية، وتتخذ من «كاليفورنيا» مركزاً لها، وهي
ذات تأثير على صناعة القرار في الإدارة الأميركية، ويبدو أن الإدارة
الأميركية هي المصدر الرئيسي لتمويل مؤسسة «راند».
لقد نشرت جريدة «معاريف 24/2/2005» بأنه تم تشكيل طاقم حكومي، يعمل على
دراسة مجموعة من البدائل، لمستقبل الأراضي المحتلة، ومن بين هذه
البدائل، إنشاء خط سكك حديدية بين الضفة والقطاع، وأن يكون متفرعاً عن
الخط الحديدي الذي أنشئ بين القدس وتل أبيب، ويخترق الضفة الغربية ليصل
إلى رام الله، وأن ما نسب إلى وزير المواصلات الإسرائيلي، أن لديه
مخططاً لربط السكك الحديدية الإسرائيلية بالأراضي الفلسطينية والأردن
والعراق، ومن غزة إلى ميناء «أسدود» لنقل البضائع، فالخطة الإسرائيلية
تتقاطع مع دراسة «راند» التي حصلت على مليوني دولار، مقابل إعدادها.
أما خطة التسوية الإسرائيلية الدائمة التي وضعها رئيس مجلس الأمن
القومي الإسرائيلي «غيورا آيلاند» «يديعوت أحرونوت 6/5/2004» فإنها
تتضمن تسوية إقليمية، وتوسيع قطاع غزة نحو سيناء، بعد انسحاب إسرائيل
من قطاع غزة، ضم 11% من أراضي الضفة الغربية إلى إسرائيل، ويقول «آيلاند»
أن الخطة سبق أن عرضت على «شارون» وحازت على موافقته، وموافقة جهات
دولية من بينها «كوندوليزا رايس» حين عملت مستشارة للأمن القومي
الأميركي، وكانت هذه الخطة ستصبح جزءاً من خطة الفصل التي طرحها شارون،
كمبادرة أوروبية مستقلة، ومن أهم ما جاء فيها: انسحاب إسرائيل من قطاع
غزة وإخلاء مستوطنات القطاع، على أن تخصص مصر للفلسطينيين منطقة تبلغ
مساحتها 600 كيلو متر مربع بطول 30 كيلو متراً على طول الحدود المصرية
الإسرائيلية وبعرض 2 كيلومتر مربع داخل سيناء مما يضاعف مساحة القطاع
ثلاث مرات، وفي المقابل تحصل مصر على أراضي بديلة بمساحة 200 كيلومتر
مربع، في منطقة وادي «الفارن» في النقب، إضافة إلى نفق يربط مصر
بالأردن ربطاً برياً، وأن يكون هذا النفق تحت السيادة المصرية، أما
الأردن فإن الخطة تعطيه إمكانية الوصول الحر إلى البحر الأبيض المتوسط
عبر النفق إلى ميناء غزة، كما تحصل السعودية والعراق على مخرج للبحر
الأبيض بنفس الطريقة، من جهة أخرى، إقامة ميناء كبير وعميق للفلسطينيين
في غزة باستثمار دولي، إضافة إلى مطار كبير في منطقة رفح، على أن تتولى
مصر والأردن، والولايات المتحدة، صلاحيات الرعاية في المناطق
الفلسطينية، ويقول المصدر بأن خطة الانسحاب من قطاع غزة من طرف واحد،
كان ستمهد الطريق لتنفيذ الخطة المذكور، بيد أن الفشل الذي حصل بعد
الانسحاب، وضع علامات استفهام كثيرة، على إمكانية طرحها على المجتمع
الدولي.
وهنا نأتي إلى دراسة مجموعة «إكس» وهي مجموعة اقتصادية إسرائيلية ـ
فلسطينية، تأسست عام 2002، تحت رعاية جامعة «بول سيزان ايس مارسيل
الثالث» في فرنسا، وبالتعاون مع مركز بيرس للسلام، ومركز البيانات
للدراسات والأبحاث في السلطة الفلسطينية، وتشمل هذه المجموعة خبراء من
إسرائيل وفلسطين ودوليين وأكاديميين وأعضاء منظمات اقتصادية دولية.
لقد أصدرت مجموعة «إكس» أول ورقة عمل لها في شهر كانون الأول (ديسمبر)
من عام 2004 تحت عنوان: «خريطة الطريق الفلسطينية» التي تركزت في البحث
المشترك على فحص نماذج اقتصادية اختيارية لعلاقات اقتصادية إسرائيلية ـ
فلسطينية طويلة الأمد، وترتيبات الوضع الدائم، وفي شهر أيار (مايو) من
عام 2005، أصدرت ورقة عملها المشتركة الثانية تحت عنوان: «إسرائيل
وفلسطين بين الفصل وخارطة الطريق» حللت فيها المخاطر والفوائد لعملية
الفصل من جانب واحد، التي نفذت من قبل حكومة «شارون» في شهر تموز (يوليو)
من عام 2005، وتقييم النتائج المتوقعة لعملية الفصل، وفي شهر تشرين
الثاني (نوفمبر) من عام 2005، حصلت مجموعة «اكس» على منحة مالية من
الاتحاد الأوروبي لإجراء بحثها الثالث، تحت عنوان: استكشاف الأبعاد
الاقتصادية لاتفاقية نهائية بين إسرائيل والفلسطينيين، استغرق هذا
البحث مدة سنتين، شارك فيه أربعون من أعضاء المجموعة، ترجمت فيه حق
العودة إلى حلول اقتصادية تبلغ تكاليفها 58 مليار دولار، مستندة إلى
معطيات «الأونروا» التي أشارت إلى أن عدد اللاجئين عام 2006، وصل إلى
4.4 مليون لاجئ، على أن يكون بإمكان اللاجئين الاختيار بين عدة بدائل:
توطينهم في أماكن جديدة، ترميم أماكن سكنهم الحالية، تعويض مالي، عودة
مجموعة من اللاجئين إلى داخل الخط الأخضر، عودة مجموعة أخرى إلى دولة
فلسطين، توطين مجموعة ثالثة في الدول التي تعيش فيها، توطين مجموعة
رابعة في دول جديدة، على أن يقوم اللاجئون أنفسهم بتحديد خياراتهم تجاه
الحل الذي يفضلونه، وقامت مجموعة «أكس» التي يرأس الجانب الإسرائيلي،
البروفيسور «آرييه أرنون» بتقديم هذه الدراسة لطاقمي المفاوضات
الإسرائيلي والفلسطيني، ويقول «آرنون» أن ردود الفعل على هذه الدراسة
كانت إيجابية أما الدكتور «سليمان أبو ستة» المنسق العام لمؤتمر حق
العودة فيقول: إن فاتورة تعويض اللاجئين، ارتفعت هذه الأيام إلى 55
مليار دولار، بعد أن كانت 10 مليارات عام 1948، وهذا التقدير يتقارب مع
تقديرات مجموعة إكس التي قدرت مبلغ 58 مليار دولار لتعويض اللاجئين «القدس
21/1/2008».
في مؤتمر هرتسليا الثامن وهو مركز متعدد المجالات، وفي ورقة عمل قدمت
من البروفسورين، عوزي أراد وجدعون بيغر اقترحا تبادل الأراضي في إطار
تسويات سياسية، بإبقاء جزء من الضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية،
مقابل نقل مناطق في النقب إلى الفلسطينيين، ضمن صفقة تضم "إسرائيل"،
الفلسطينيين، لبنان، سوريا، الأردن، ومصر، وتسمح بجولة من التبادل
الإقليمي تضمن المصالح الحيوية لجميع المشاركين، وقد شددا على أن خطوط
الحدود في المنطقة، رسمتها القوتان الاستعماريتان فرنسا وبريطانيا، دون
مراعاة احتياجات سكان المنطقة، وفي إطار هذا الاقتراح، تضم "إسرائيل"
200 كيلومتر من الضفة الغربية لسيادتها، تشكل 3% من مساحة الضفة، لتشمل
الكتل الاستيطانية، وأراض في غور الأردن، وصحراء الضفة، وبالمقابل يحصل
الفلسطينيون على أراض على طول الخط الأخضر، مع أو دون سكانها من عرب
1948، والمقصود هنا في منطقة وادي عارة، أما بالشأن السوري، تحتفظ
إسرائيل بـ12% من هضبة الجولان، لتشمل ضم معظم المستوطنات، وخط الجرف
المسيطر على بحيرة طبريا، على أن تحصل سوريا بالمقابل على أراض من
لبنان، الذي سيحصل من إسرائيل على 50 كيلو متراً مربعاً على طول الحدود
الشمالية، وفي الجانب المصري تنقل أراضي إسرائيلي في منطقة «فران» إلى
مصر، ومنطقة أخرى تسمح بالعبور الحر بين مصر والأردن، على أن ينقل
المصريون للفلسطينيين أراضي في محور رفح ـ العريش كتواصل لقطاع غزة،
وتنقل إسرائيل إلى الأردن أرضاً في وادي عربة لإقامة المعبر مع مصر،
وتنقل إلى سورية أرضاً من الأردن قرب حدودهما المشتركة.
في ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي وثيقة تحمل عنوان: «دولة إسرائيل،
سياسات ديمغرافية قومية» وهذه الوثيقة تم إعدادها بناء على طلب رئيس
الوزراء تعبر عن قلق متزايد من ما يسمى بالمارد الديمغرافي الفلسطيني،
الناجم عن اتجاهات الخصوبة، ويطالب معدو هذه الوثيقة بوجوب أن لا
تتجاوز نسبة المواطنين العرب داخل إسرائيل 20%، «معاريف 7/12/2008» وفي
ظل هذه الموجة من الطروحات والأفكار المتناقضة، فإن التوجهات
الإسرائيلية للخروج من مأزقها، بأن تأتي الحلول على حساب الدول العربية،
فيما أن «خارطة الطريق» التي أصبحت قراراًَ دولياً من مجلس الأمن تحمل
رقم (1515) وتتضمن مبادرة السلام العربية، ورؤيا الرئيس «جورج بوش»
الداعية إلى إقامة الدولة الفلسطينية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي عن
الأراضي التي احتلت عام 1967، فإن إسرائيل تحاول التهرب منها،
بطروحاتها آنفة الذكر، تحت عنوان تبادل أراض مع الدول المجاورة، حتى أن
حاخام اليهود الغربيين «يونا ميتزغر» في مقابلة في صحيفة «جويش نيوز»
البريطانية بتاريخ 24/1/2008 دعا لإقامة دولة فلسطينية في سيناء، وينفي
وجود أي صلة للمسلمين في القدس، على أن يسمح لمن وصفهم بالعرب
المسالمين بالصلاة في مساجد القدس، بشرط الاعتراف بأن القدس خاصة
باليهود، وأن المسلمين ليسوا بحاجة إلى مكان ثالث إضافة إلى مكة
والمدينة ـ على حد زعمه.
في كتاب «الانتفاضة ـ الاستعصاء» لأمين عام الجبهة الديمقراطية لتحرير
فلسطين السيد «نايف حواتمه» الصادر عام 2005، وفي الفصل الخامس، صفحة
242 تحت عنوان الفصل الأحادي... الجدار... تبادل المناطق... تطرق إلى
المواقف الإسرائيلية المتناقضة من الحل، وإلى نظريات تبادل المناطق،
وما يسمى بالقنبلة الديمغرافية الفلسطينية، وإلى موضوع تبادل الأراضي،
مستبقاً الكثيرين من الكتاب والسياسيين لطروحات «شارون» الذي أثار
موضوع تبادل الأراضي، مما يدل على أن إسرائيل لا تحمل مشروعاً حقيقياً
للسلام، وخلاصة القول فإن محاولة إسرائيل تسويق قطاع غزة، وتحميل
مسؤوليته للمصريين، يندرج في الأفكار الإسرائيلية المتعلقة بتبادل
الأراضي، ورسم خارطة جديدة للمنطقة، وهذا يعني أن السلام والأمن
والاستقرار وحل القضية الفلسطينية، ما زال يتراوح مكانه.
============================
المصدر: مجلة
الحرية
* مدير مركز دار الجليل للنشر والدراسات والأبحاث الفلسطينية