إسرائيل في الفضاء.... السعي لامتلاك سلاح غير تقليدي آخر

 
   

الاثنین 19 -05-2008 م  الموافق 14 جمادي الاولى 1429 هق   

 



 
 

  يسعى كيان الاحتلال الاسرائيلي بكل الطرق والوسائل إلى تحقيق تفوق نوعي في السلاح والعتاد العسكري على جيرانه من دول المنطقة، وذلك بعد أن تأكد له صعوبة تحقيق تفوق كمي؛ الأمر الذي دفعه بقوة إلى السعي الحثيث نحو امتلاك أسلحة غير تقليدية كان من أهمها السلاح النووي، ومن بعده ما يمكن تسميته بالسلاح الفضائي بما يتضمنه ذلك من أقمار صناعية وصواريخ فضائية؛ حيث ركزت إسرائيل منذ سنوات عديدة على الفضاء لعدة أهداف عسكرية و سياسية واستراتيجية؛ فهي تدرك أنها لن تستطيع أن تعتمد إلى الأبد على مظلة الحماية الاميركية، فالمسألة بالنسبة للإحتلال الإسرائيلي تعد قضية تمس صميم الأمن القومي، فلا يمكن تركها للتغيرات السياسية والدولية التي لا يمكن التنبؤ بها.

وبالإضافة إلى ذلك هناك البعد الذي عادة ما يؤطر الدول التي لديها أنشطة متشعبة في الفضاء في عداد الدول المتقدمة. بمعنى أن أية دولة ليس لها الآن تواجد في الفضاء، وبالقطع تلك التي لن تبلغ ذلك في العقد المقبل، لن تستطيع الانتماء إلى نادي الدول المتقدمة، تماماً مثلما أن الدول التي لم تكن تمتلك قبل عدة عقود حضوراً في الجو بواسطة أسلحة جو عصرية، لم تكن تُعتبر في عداد هذه الدول.

تاريخ من النجاحات والإخفاقات:

وعلى الرغم من أن الحديث عن أنشطة الاحتلال الإسرائيلي في الفضاء يخضع إلى المزيد من القيود الأمنية الصارمة على مستوى الداخل الإسرائيلي، إلا أنه يمكن القول أن تأريخ بداية المشروع الفضائي الإسرائيلي منذ العام 1959 حينما أُنشئت اللجنة القومية لأبحاث الفضاء برئاسة البروفيسور دافيد بريجمان، وفي عام 1966 تم الإعلان عن إنشاء معهد متخصص في بحوث الفضاء في جامعة تل أبيب، وتم في نفس العام إنشاء فريق من علماء الفضاء تحت إشراف مباشر من وزير الخارجية ورئيس الوزراء السابق.

ولم يكن في مقدور إسرائيل بمفردها خلال تلك المرحلة تطوير قدراتها التكنولوجية في مجال أبحاث الفضاء، فكانت الولايات المتحدة هي البديل؛ حيث ساعدت التقنية الاميركية إسرائيل على تطوير صاروخ إسرائيلي كان يحمل اسم شافيت تم إطلاقه بنجاح عام 1961 وخلال الأعوام من 1964 إلى 1984 حصلت إسرائيل على مساعدات تقنية لا حدود لها من واشنطن في مجال تطوير وبناء وتأسيس مراكز ومحطات أبحاث الفضاء، ففي عام 1964 أقامت إسرائيل محطة لرصد الأقمار الصناعية، وفي عام 1984 أكملت بناء الوكالة الإسرائيلية لأبحاث الفضاء التي وضعت خطة طموحة تنفذ على ثلاث مراحل، وتهدف إلى اتباع استراتيجية للوصول إلى إنتاج ثلاثة أجيال من أقمار اصطناعية إسرائيلية الصنع بالكامل.

وبشكل عام يمكن القول أنه على مدى أربعة عقود متتالية، واصلت إسرائيل بناء وتحديث برنامجها الفضائي تحقيقا لمبدأ السيطرة المطلقة بغية تحقيق التفوق في ميزان القوى، واستطاعت بفضل الدعم الاميركي والأوروبي اقتحام النادي الفضائي العالمي حينما أطلقت القمر الاصطناعي للاتصالات العسكرية والمدنية عاموس في عام 2000، وتمكنت في الوقت نفسه من اختبار قدرة الصاروخ أريحا-1 الذي يصل مداه إلى 1320 كيلومترا، ثم الصاروخ أريحا-2 الذي يصل مداه إلى 6 آلاف كيلومتر.

وبعد ذلك، ونتيجة ثمرة تعاون إسرائيلي أميركي - فرنسي في مجال تكنولوجيا الفضاء تمكنت من إطلاق ثلاثة أقمار اصطناعية، هي على التوالي:

1- أفق ـ1: وأطلق بتاريخ 19/ 9/ 1988 وكان الهدف منه اختبار قدرات تكنولوجية معينة للصاروخ السابق الذكر شافيت.

2- أفق ـ2: وأطلق في 3/ 4/ 1990 وكانت إسرائيل تهدف من وراء إطلاقه التأكد من قدرتها على إطلاق وتشغيل الجيل القادم من الأقمار الاصطناعية المقبلة.

3- أفق ـ3: وأطلق في تاريخ 6/ 4/ 1955 وهو الصاروخ الذي أثبت قدرات إسرائيل على التحكم بعمليات إطلاق الأقمار الاصطناعية دون الحاجة لتلقي أية مساعدة خارجية.

وقد تم إطلاق القمرين الاصطناعيين أفق ـ 1، ثم أفق ـ 2 بهدف التجسس والاستطلاع وتطوير صواريخ آرو المضادة للصواريخ وكذلك لتطوير صواريخ أريحاـ1، كما أن هذا القمر وفّر لإسرائيل قدرة كبيرة للاكتفاء الذاتي في مجال المعلومات الاستخباراتية التي كانت تحصل عليها من خلال أقمار التجسس الاميركية.

وإلى جانب ذلك، حققت إسرائيل خطوة مهمة في مجال التجسس باستخدام الفضاء، وذلك بنجاح تجربة إطلاق قمر التجسس أفق 5 في 28 مايو من العام 2002، بعد سلسلة من المحاولات الفاشلة المتتالية لإطلاق الطراز الأكثر تطورا من هذا القمر الصناعي، حيث باءت محاولة إطلاق القمر أفق 4 في عام 1998 بالفشل، ولم يتم الإعلان عن أسباب فشل الإطلاق، إلا أن هذا دفع الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى العمل لتمديد وجود القمر الصناعي أفق-3 في الفضاء والذي كان من المفترض إنهاء مهمته عام 1998.

أهداف مستقبلية:

ولا شك أن لهذا المشروع الفضائي الإسرائيلي الطموح والمتطور، الكثير من البواعث والأبعاد سواء العسكرية أو الإستراتيجية المهمة؛ إذ لـم يعد استخدام الفضاء لأغراض عسكرية شأناً مستقبلياً في حسابات الدول التي تسعى لتأمين قدراتها الاستراتيجية، وليس أدل على ذلك من أنه خلال عقد التسعينات غيّر سلاح الجو الاميركي اسمه ليصبح سلاح الجو والفضاء، وفي العام 1999 حذا حذوه سلاح الجو الإسرائيلي.

وهذه التسمية الجديدة تشير إلى فهم تم بموجبه، من ناحية سلاح الجو (الإسرائيلي)، دمج بُعدي الجو والفضاء في بُعد واحد، وذلك بعد أن أيقنت الدوائر العسكرية الإسرائيلية أن مصدر التهديد في عصر الصواريخ والفضاء لـم يعد يتركز فقط على امتداد حدودها، وأن الحروب الجديدة من الممكن أن تدور على جبهات عديدة ومتباعدة، الأمر الذي جعل من بناء إسرائيل لقدراتها الفضائية، هو أمر مركزي في مفهوم الأمن الإسرائيلي للعقد الأخير، ومن اللحظة التي امتلكت فيها إسرائيل موقعًا مستقلاً في الفضاء، تبدو اليوم إمكانية فقدانه أمر غير مقبولا بالنسبة لها.

ويمكن إجمال أهداف السعي الإسرائيلي لما يمكن تسميته بعسكرة فضاء الشرق الأوسط، في عدة عوامل، وهي:

1- تنفيذ عقيدتها الأمنية القائلة بمحاولة الحصول على أي سلاح سواء على المستوى النوعي أو الكيفي يضمن لها التفوق العسكري في المنطقة، بما في ذلك الأسلحة غير التقليدية، بحيث لا تكون هي الأولى التي تمتلكه ولكنها لا تكون في نفس الوقت الأخيرة، مثلما هو الحال فيما يتعلق ببرنامجها النووي العسكري الذي تحيطه بسرية تامة حتى الآن.

2- محاولة تعويض إسرائيل لما تفتقده من عمق جغرافي لازم لحمايتها، ولذلك فهي تتحسب لأي نوع من الهجمات الصاروخية في حالة المواجهة الشاملة مع أي من بلدان الجوار.

3- مواجهة ما تعتبره الدوائر العسكرية والاستراتيجية الإسرائيلية المسؤولة، التوجه المصري والإيراني نحو الفضاء وبناء قدرات عسكرية فضائية خفية؛ الأمر الذي بدا واضحا من خلال تلك الحملة الدعائية التي شنها تل عنبر رئيس جمعية الفضاء الإسرائيلية، ضد القاهرة وطهران، والذين اتهمتهما بدخول مجال الفضاء بقوة لأغراض عسكرية موجهة ضدها.

4- لتحقيق السيادة التقنية في الفضاء في منطقة الشرق الأوسط، و بالتالي تكون المستفيدة الأولى من الفرص التجارية التي تظهر في هذا المجال عند استقرار السلام في المنطقة، وهذه الكعكة لخدمات الفضاء التجارية العالمية تقدر بمليارات الدولارات.

وخلاصة القول إن إسرائيل تعمل جاهدة على توفير المتطلبات الحيوية لأمنها الذي أصبح قابلا للانتهاك بصورة متزايدة خاصة في ظل الظروف الجديدة التي تحكم ميادين القتال في منطقة الشرق الأوسط والتي بدأت صياغتها خلال حرب تموز في العام 2006 حينما استطاع حزب الله اللبناني إلحاق هزيمة مذلة بقوات الاحتلال الإسرائيلي بفضل قدرته في المقام الأول على تغيير قواعد اللعبة العسكرية عبر ضرب الجبهة الداخلية الإسرائيلية بصواريخ المقاومة.

==========================================
المصدر : مركز النخبة للدراسات
 

 

ارسل تعليقک على هذا المقال

الاسم

البريد الالكتروني

البلد

المهنة

عنوان المقالة

نص التعليق