ماذا عن سيناريو الحرب الإسرائيلية البرية؟   

 
   

الثلاثاء 20 -05-2008 م  الموافق 15 جمادي الاولى 1429 هق   

بقلم : محمد خواجة



 
 

  ركزت لجنة فينوغراد في توصياتها المقدمة للجيش الإسرائيلي على فرضية الحرب البرية الواسعة، واعتبرت أن العامل الرئيس للفشل يكمن في الاكتفاء باستخدام "النار عن بعد"، والتركيز على الجهد الجوي، من دون إيلاء العمليات البرية الكبيرة المكانة المطلوبة.

ووجهت اللجنة لوما للقيادة العسكرية على عدم قيامها بعمل بري واسع، يفضي الى إبعاد الصواريخ المنحنية عن العمق الإسرائيلي. ورغم مباركتها العملية البرية في الحرب، للوصول الى مجرى نهر الليطاني، إلا انها اعتبرت انها قد جاءت متأخرة، وبدون إعداد كاف. وفي النهاية أوصت اللجنة بإدراج العمليات البرية الواسعة في سيناريو الحرب المقبلة.

كانت تلك المسألة المهمة مدار نقاشات طويلة، حفلت بها المؤتمرات الداخلية للجيش الإسرائيلي، التي توجت بانعقاد الورشة الأركانية في شهر آب الماضي. وصدق خلالها على اعتماد مفهوم "تايغن"، الذي أعاد الاعتبار الى الذراع البرية في الجيش، بإقراره تشكيل فرقتين مدرعتين جديدتين، وإلغاء الحسومات التي طالت ميزانيتها في السنوات الخمس الماضية. وتحدث القادة العسكريون الإسرائيليون عن انه في الحرب المقبلة، لن يقتصر الأمر على النشاط الجوي، بل سيعطى للجهد البري حيزا واسعا.

لم تقتصر مناقشة الموضوع على الإسرائيليين وحدهم، بل تبرع بعض الساسة و"الخبراء" العرب، للحديث عن "الخطأ" الإسرائيلي الناجم عن عدم اللجوء الى عمل عسكري بري واسع، كان كفيلا بتغيير مجرى الحرب ونتائجها. وسعوا الى حصر الفشل الإسرائيلي في عوامل إجرائية، وأسباب تقنية بحتة، للتعمية على عناصر القوة المتميزة لدى المقاومة اللبنانية، التي واجهت العدو بأسلوب مختلف، لم يعتده في حروبه السابقة مع العرب.

ان خوض الجيش الإسرائيلي الحرب على لبنان، وفقا لمفهوم قتالي قائم على إمكان حسم المعركة من الجو، لا يلغي حقيقة إقدامه على شن عشرات الهجمات البرية ضد مقاتلي المقاومة المتحصنين داخل القرى وخارجها، بواسطة أربعة عشر لواء، يفوق عددهم الخمسين ألف جندي. لكن يبدو ان الأصوات المعترضة على أسلوب إدارة الحرب الإسرائيلية في صيف 2006 كانت تفضل اعتماد سيناريو عسكري مشابه لطريقة اجتياح لبنان عام .1982 متناسية الفوارق الجوهرية في تركيبة كل من المنظمات الفلسطينية ـ حينذاك ـ والمقاومة اللبنانية وأساليب قتالها.

لقد كانت القوات الفلسطينية عشية "حرب لبنان الأولى" عبارة عن رأس قيادي ضخم، وجسم مقاتل صغير، ملحق به ذيل إداري كبير. بينما نجحت المقاومة اللبنانية في بناء هيكل قتالي متناسق، يغلب عليه العضل المقاتل. فضلا عن الاختلاف في طريقة إعداد المقاتل الفرد وتعبئته الروحية و"تلهفه" لملاقاة الإسرائيلي في الميدان.

في رؤية افتراضية، تتوافق مع روحية ما أوصى به تقرير فينوغراد، وما تضمنه مفهوم تايغن بخصوص العملية البرية الواسعة، وأسلوب الحرب الخاطفة، المستندة الى ثنائية الطائرة والدبابة. يمكن رسم سيناريو الحرب الإسرائيلية المقبلة على الشكل الآتي: ـ

أولا ـ عشية الإعداد للحرب، تقدم إسرائيل على تعبئة بضعة فرق من قوات الاحتياط لتنشرها الى جانب القوات النظامية، على طول الحدود اللبنانية الفلسطينية.

ثانيا ـ عند الساعة الصفر، يقوم سلاحا الجو والمدفعية بعملية تمهيد ناري مكثف لساعات طويلة، وربما لأيام عديدة. تستهدف، طرق المواصلات، وسائل الاتصال والمواقع الافتراضية لغرف العمليات ومراكز القيادة، ومنظومات الصواريخ المنحنية على أنواعها. إضافة الى أماكن انتشار مجموعات المقاومة، فضلا عن مئات الأهداف المدنية والبنى التحتية.

ومن المرجح ان يسفر التمهيد الناري عن تدمير معظم الأهداف المدنية التي يحتويها بنك الأهداف الإسرائيلي. ولكن من الناحية العسكرية قد تقتصر "الإنجازات" على إصابة بعض منظومات الصواريخ البعيدة المدى. فيما سيسلم الجزء الأكبر من جسم المقاومة العسكري، وهذا ما برهنته حرب تموز سابقا. فإذا كان 33 يوما من القصف الجوي المركز، لم يؤد الى تأثير كبير على بنية المقاومة العسكرية؛ فما هي النتيجة المتوخاة من قصف لن يدوم أكثر من بضعة أيام ؟. الى جانب أمر جوهري آخر يتعلق بقدرات المقاومة في مجال الدفاع الجوي، الذي كان شبه معدوم في الحرب الأخيرة. وأكبر الظن ان يكون قد شهد تطورا إيجابيا، يسمح بالحد من سطوة سلاح الجو الإسرائيلي.

ثالثا ـ بعد التمهيد الناري، تندفع القوات الإسرائيلية الى داخل الأراضي اللبنانية من ثلاثة أو أربعة محاور رئيسية موزعة ما بين منطقتي الناقورة والعرقوب، والأرجح أن تزج على كل محور، بفرقة عسكرية كاملة.

قد يركز الجيش الإسرائيلي على المحاور التي يعتقد ان تواجد رجال المقاومة عليها أقل كثافة من المحاور الأخرى، وسيطبق في هجومه أسلوب الحرب الخاطفة لكي يحقق أهدافه بسرعة، وبأقل خسائر ممكنة. إذ ستتجاوز قواته المدن والبلدات الرئيسية التي تشكل عقدا قوية للمقاومة؛ تاركة مهمة تطويقها والتعامل معها على عاتق الأنساق الثانية والثالثة من القوات المهاجمة، التي ستكون مضطرة لخوض معارك شرسة وصعبة على غرار ما حصل في بنت جبيل، وعيتا الجبل، والطيبة وغيرها من القرى.

فالمهمة الملقاة على عاتق تلك القوات تقتضي "تنظيف" الأرض شبرا شبرا من رجال المقاومة المستعدين لهذا النوع من المعارك، والقادرين على الصمود من دون الحاجة الى الدعم اللوجستي، والتوجيهات القيادية. وقد يستغرق هذا العمل وقتا طويلا، فضلا عن الخسائر الكبيرة التي ستتحملها القوات الاسرائيلية، بينما تتفرغ قوات النسق الأول للتقدم السريع داخل الأراضي اللبنانية، لتلاقي قوات الأبرار الجوي، والإنزالات البحرية.

وقد تضطر القوات الإسرائيلية الى تجاوز مجرى نهر الليطاني، فاحتلال منطقة جنوب الليطاني، لن يوقف الرمايات الصاروخية باتجاه العمق الإسرائيلي. فأبعد نقطة ما بين مجرى النهر وبين الحدود اللبنانية الفلسطينية لا تتعدى الـ20 كم. وهذا يعني ان المستوطنات الإسرائيلية الحدودية ستبقى في مرمى صواريخ الكاتيوشا المعدلة (28 كلم)، فضلا عن أنواع الصواريخ الأخرى ذات المدى، الأمر الذي قد يجبر القوات الإسرائيلية على المزيد من التوغل داخل العمق اللبناني، للوصول إليها وتدميرها. ما يعني توسيع "بيكار" المناطق اللبنانية المحتلة، وانتشار القوات الإسرائيلية عليها. وفي هذا استعادة لمشهد اجتياح لبنان عام 1982 حين وصلت القوات الإسرائيلية الى العاصمة بيروت، التي صمدت في وجهها لأكثر من 80 يوما، ولم تسقط إلا بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين منها، "وتنظيفها" من العوائق الهندسية والاستحكامات الدفاعية.

يدرك الإسرائيليون جيدا، بانهم سيتحملون خسائر كبيرة في الحرب المقبلة، بحيث لا يمكن مقارنتها بخسائرهم في "حرب لبنان الثانية"، وبخاصة إذا زجوا بأعداد كبيرة من جنودهم في المعركة، ووسعوا دائرة عملياتهم العسكرية.

ولعل السيد حسن نصر الله عندما تحدث ـ أثناء تأبين الشهيد عماد مغنية ـ عن تدمير الجيش الإسرائيلي في حال إقدامه على مغامرة عسكرية داخل لبنان، قد اعتمد في تقديره قاعدة قياس حدث على حدث آخر، ففي حرب تموز خسرت القوات الإسرائيلية ما يقارب لواء مدرعا، على الرغم من ان مسرح المعارك لم يتعد بضع عشرات الكيلومترات. إضافة الى "قلة" القوى العسكرية المشاركة في القتال، ومحدودية العمليات البرية الإسرائيلية قياسا على الحرب المفترضة. لذا من منطق الأمور أن تتضاعف مرارا وتكرارا الخسائر الإسرائيلية في حرب برية واسعة.

قد تشكل الحسابات الدقيقة، والخسائر الكبيرة المحتملة، عامل لجم رئيسيا للعدوانية الإسرائيلية. فإسرائيل باتت تدرك بعد حرب تموز، ان زمن الحروب السهلة على أرض لبنان قد ولى. وان نتائجها لم تعد مضمونة لصالحها. وقد تهشمت هيبة الردع لديها بدل ترميمها، ما يضعف صورة إسرائيل "القوية" أمام نفسها والآخرين.

====================================
المصدر: السفير
 

 

ارسل تعليقک على هذا المقال

الاسم

البريد الالكتروني

البلد

المهنة

عنوان المقالة

نص التعليق