ما بعد قمة دمشق: من يحسم الصراع في المنطقة العربية ؟

 
   

الأحد 06-04-2008م الموافق 29ربيع الاول 1429 هق

 


 

انتهت القمة العربية في دمشق. النقاش الدائر حاليا في الدوائر السياسية السورية يتصل بما بعد القمة وليس بمعطيات ووقائع صارت من الماضي القريب ولو أنه سيبنى على بعضها ما يجب أن يبنى عليه، خاصة مع الغائبين سواء منهم «الكبيران» السعودي والمصري أو «الجار» الأردني أو «الصديق» اليمني...

انتهت القمة العربية في دمشق، وثمة تقييم سوري واثق بأنها «نجحت في موعدها ومكانها ومبدئها ومضمونها». نجح حضور عرب شمال أفريقيا باستثناء مصر التي أقصت نفسها عن القمة كما أقصت نفسها عن قضايا العرب الكبرى، وعن قضايا جيرانها الأقربين بما في ذلك، في منحى انكفائي، تحت عنوان تفادي أي فشل محتمل، وهو المنطق الذي جعل كل العرب وغير العرب يملكون نفوذا في فلسطين باستثناء الجار المصري الأقرب!

لم يكن خطاب الرئيس السوري بشار الأسد أمام القمة العربية مفاجئا في مضمونه السياسي الهادئ. كان الخطاب متوقعا، ذلك أنه خطاب رئاسة القمة التي حوربت قبل أن تنعقد لها «الرياسة». الأدلة كثيرة بيد السوريين. الخطابات الأميركية والفرنسية والبريطانية واضحة. أحد القادة العرب ما أن دخل إلى صالون الشرف في مطار دمشق الدولي حتى طلب الاختلاء بالرئيس الأسد للحظات. أخرج من جيبه ورقة باللغة الانكليزية. هذا هو نص رسالة التحذير الأميركية التي تلقيناها. لم يقتصر أمر تعميمها على الخارجية الأميركية وسفراء واشنطن في العالم العربي، بل طُلب في بعض الأحيان من قادة سياسيين وحتى عسكريين مثل قائد الأسطول السادس الأميركي المساعدة في تعميم الرسالة الأميركية.

أحد أعضاء الوفد الفلسطيني قال لـ«السفير» إن ما جرى مع الأردنيين حصل مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، لكن الأخير أدرك حجم الفخ المنصوب له، وقرر ألا يفرط بعداوة سوريا التي كانت قد باعته موقفا مميزا في القمة، التي جمعت الملك الأردني والرئيس الأسد في دمشق، عندما أكدت على دعم السلطة الوطنية الفلسطينية، ثم إن «أبو مازن» يدرك حجم النفوذ السوري في معسكر الفصائل الفلسطينية المناهضة له وهو يخاف أن تواجه الضفة مصير غزة، ولذلك كان دقيقا في القول للأميركيين «أهلا وسهلا بالوزيرة رايس وأنا مستعد للاجتماع بها في عمان ».

وقائع كثيرة تتردد في أروقة القمة العربية حول الضغط الأميركي، أبرزها ما سربه الليبيون عن كيفية تعامل المصريين والأردنيين مع مبادرة الزعيم الليبي معمر القذافي. «من قاطع القمة قد خسر ونحن ربحنا الرهان» يقول مسؤول سوري كبير.

من الواضح أن خطاب ربط النزاع الذي ألقاه الرئيس الأسد قد أحرج السعوديين، فاضطروا لإعادة النظر في مضمون المؤتمر الصحافي الذي كان مقررا أن يعقده الأمير سعود الفيصل في الرياض، ولذلك، كان لا بد أن يردوا على التحية بمثلها، ذلك أن الأسد لم يقارب القضايا الخلافية وإن أشار بشكل واضح إلى وجود خلاف عربي حول عدد من القضايا، ولم يتجاوز في خطابه سقف مبادرة السلام العربية التي ترتبط صياغتها بالملك السعودي عبد الله، منذ أن كان وليا للعهد (قمة بيروت في العام 2002).

أحرج الرئيس الأسد الرئيس اليمني علي عبد الله صالح. صحيح أن المبادرة اليمنية انتهت لحظة قرر راعيها عدم حضور القمة، لكن التمسك بكلماتها الـ32 هو إعلان موقف من الموضوع الفلسطيني وليس من مجرد عنوان إقليمي، ذلك أن سوريا التي تستضيف القمة، تدرك جيدا أنها وغيرها من الدول العربية محكومة بمثلث قضايا لا بد منه: فلسطين والعراق ولبنان. وسوريا جارة للثلاثة، وهو ما يفسر قول الرئيس الأسد إننا لم نعد عند حافة الخطر بل في قلب الخطر، حيث النار تحاصر سوريا في لبنان الذي يريد البعض تحويله قنبلة موقوتة بوجهها؛ وفي فلسطين التي لم تخرج يوما من رصيد سوريا الإقليمي؛ وفي العراق، حيث تتهم سوريا بأنها وراء تفريخ «القاعدة» وتجنيد أسامة بن لادن وتربيته في المدرسة الابتدائية وتجنيده في محاربة الشيوعية في أفغانستان، بينما عندها الكثير من الوقائع التي تشي بالكثير من الخشية على أمنها القومي، من بعض من يريدون أن يلعبوا باستقرار سوريا عبر إغداق المال وتوزيع السلاح على العشائر العربية الحدودية، قبل أن يصل الأمر إلى رشوة بعض كبار الضباط من دون إغفال، الحنفية المفتوحة في طول سوريا وعرضها على أئمة المساجد ورغم كل ذلك يقال ما يقال...

في المثلث العراقي اللبناني الفلسطيني استخدم الرئيس الأسد خطابا واحدا: دعوة العراقيين للحوار والمصالحة وأن يتم تعزيز الحضور العربي في ربوع العراق. دعوة الفلسطينيين للحوار وأن تكون وحدتهم ركيزة لوحدة الصف العربي. دعوة اللبنانيين للحوار والتأكيد على أن قرار التسوية التاريخية بيدهم وليس بيد سوريا التي صارت مطالبةً، من محاربي دورها في لبنان صبحا ومساء، بأن تتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية.

في هذا المثلث يجب أن تتجه الأنظار في المرحلة المقبلة طالما أن إيران أعفت حلفاءها من موجبات ملفها النووي ودورها الإقليمي... ولكن مع فارق بسيط أن إيران تملك في المثلث المذكور أيضا أكثر مما يملك «الكبار» من العرب «الذين شارك بعضهم في الأمس القريب في تغطية حرب "إسرائيل" ضد حزب الله ويشارك بعضهم في تمويل بعض الأعمال الإجرامية في العراق وحدث ولا حرج عن غزة فلسطين وما تتعرض له من حصار على يد العرب قبل غيرهم» يقول أحد القارئين العرب في مجريات قمة دمشق.

صحيح أن إيران كتب لها أن تتمثل قبل شهور في قمة مجلس التعاون برئيسها محمود أحمدي نجاد، ولم يكتب لها اليوم الا أن تتمثل بوزير خارجيتها منوشهر متكي في قمة دمشق، إلا أنها في مراعاتها لتهمة «الارتماء في حضن إيران» الموجهة للنظام السوري، إنما تسعى إلى تفهم بعض الهواجس العربية لكنها لم تتوقع أن يصل الأمر ببعضهم أن يستبدلها بـ«العدو الإسرائيلي»، وهي تملك الكثير من الوقائع التي جعلت بعض جيرانها العرب يتهافتون عليها من أجل طمأنتها فور انتهاء زيارة الرئيس الأميركي جورج بوش الأخيرة و«المظفرة» إلى منطقة الخليج.

في القمة وفي كواليسها قيل الكثير من الكلام وعقدت خلوات كثيرة ولكن الأمر الذي لم يجد تفسيرا حتى الآن: لماذا قرر الرئيس اليمني الخضوع للضغوطات ومخالفة حتى إرادة الشارع اليمني ولماذا ارتضى الملك الأردني لنفسه أن يكون على غير صورة والده الراحل الملك حسين؟!. ألم يكن بمقدوره أن يقلده على الأقل بأن يقرر زيارة دمشق لساعة واحدة فقط؟ هل هناك من أمر يقيني تبلغه من الأميركيين حول أمر ستشهده المنطقة في المستقبل القريب. هل قيل له من سيحسم الصراع المفتوح في العراق ولبنان وفلسطين..

قبل أن نتحدث عن إيران التي تبدو بلسان دبلوماسيتها مطمئنة إلى خياراتها ومستقبل برنامجها النووي السلمي ودورها الإقليمي أكثر من أي وقت مضى، فيما الحديث عما يجري في البصرة يدل على ارتباك في ظل ما كان يمثله رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من تقاطع أميركي إيراني حتى الأمس القريب.
 

=============================
المصدر: السفير

 

ارسل تعليقک على هذا المقال

الاسم

البريد الالكتروني

البلد

المهنة

عنوان المقالة

نص التعليق