سورية وإيران في ظل التطورات الإقليمية و الدولية الراهنة
"بحث في الرهانات و التحديات السياسية والأمنية المشتركة "
الاثنين 21-04-2008م الموافق 14 ربيع الثاني 1429 هق
بقلم : د. مدين علي
تعيش منطقة الشرق الأوسط تطورات كبرى على وقع
مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي طرحته الإدارة الأمريكية المحافظة
كتعبيرٍ عن توجهاتها الاستراتيجية الراهنة تجاه منطقة الشرق الأوسط،
الممتدة من الأطلسي حتى مشارف الصين.
وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن مشروع الشرق الأوسط الكبير، بكل
ما ينطوي عليه من سيناريوهات واستراتيجيات يهدف إلى خلق واقع جيو
بوليتيكي سياسي، اقتصادي، أمني وعسكري جديد، يتم من خلاله إعادة توزيع
عناصر القوة في بنية المنظومة، وفقاً لأسس جديدة، يتم من خلالها خلق
البنية التحتية والشروط المادية والمعنوية لمشروع القرن الأمريكي، الذي
يتطلع المحافظون الجدد في رأس الإدارة الأمريكية لتكريسه واقعاً (سياسياً
واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً)، وذلك من خلال مجموعة من السياسيات
أهمها:
1- خلق الشروط المادية والمعنوية لإحكام قبضة الهيمنة الأمريكية على
مفاتيح القوة الرئيسة في العالم، هذه المفاتيح التي يمتلك منها الشرق
الأوسط:
أ- الاحتياطيات الهائلة من الطاقة بشقيّها النفط والغاز.
ب- الجيوبوليتك بأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية.
2- تعزيز إمكانات إسرائيل ومقومات تفوقها، لتصبح الدولة الأكثر قدرة في
منظومة جيوبولتيكية جديدة، يسعى المشروع الأمريكي إلى فرضها على أنقاض
المنظومة القديمة، التي كانت قد تحدّدت معالمها على ضوء توازنات الحرب
الباردة هذا من جهة، والمحكومة باعتبارات الاستقرار الإقليمي القابل
للتصدع لأقل اختلال أو إخلال في بنية المنظومة أوفي متغيرات المعادلة
التي تحكم الشرق الأوسط من جهة أخرى. وتأسيساً على ما تقدم طرح
المحافظون الجدد ما يسمى بنظرية "الدومينو" في منطقة الشرق الأوسط.
3- ضبط إيقاع مساعي القوى الإقليمية والدولية الصاعدة، وتقييد تحركاتها،
وأعني روسية وريثة الاتحاد السوفيتي السابق والصين، هذه القوى التي
تتطلع لملء الفراغ السياسي والاقتصادي والثقافي الذي خلفه كل من زوال
الاتحاد السوفيتي وعملية تفكيك الجيوبولتيك في منطقة آسية الوسطى، وما
تولد عنهما من اختلالات في سلم توزيع القوة بين مختلف مراكز القوى
الأساسية والفرعية في النظام الإقليمي والدولي، وقد اتجهت الولايات
المتحدة الأمريكية لتقييد تحركات هذه القوى وضبطها من خلال:
1- استغلال خصائص جيوبوليتيك الشرق الأوسط وتوظيفه سياسياً واقتصادياً
وعسكرياً وأمنياً.
2- السعي للتحكم بمستقبل إمدادات الطاقة، وذلك من خلال تواجدها العسكري
المباشر في منطقتي بحر قزوين والعراق.
3- التمدد عسكرياً وأمنياً باتجاه أوراسية، وذلك من خلال سياسات وآليات
سنعرضها لاحقاً.
وإذا كان إحكام القبضة الأمريكية على العالم، يشكل هدفاً استراتيجياً
لتكريس مشروع القرن الأمريكي، فإن التحدي الأبرز الذي واجه الإدارة
الأمريكية، يتمثل بأن جميع السياسات والأدوات التي استخدمتها الولايات
المتحدة الأمريكية طوال مرحلة الحرب الباردة، قد انتهى مفعولها بسقوط
الاتحاد السوفييتي، وانتفاء دوره في تشكيل معادلة القوة و تحديد شروط
التوازن والاستقرار الإقليمي والدولي، ما يعني أن الإدارة الأمريكية لم
تعد قادرة على الاستثمار في تلك الأدوات والسياسات وتوظيفها، الأمر
الذي تطلب منها البحث عن بدائل وسياسات جديدة جاء في مقدمتها:
1- إعلان حرب كونية على الإرهاب: لقد استطاعت الولايات المتحدة
الأمريكية أن تستغل الوقع الأليم لكارثة الحادي عشر من سبتمبر،
وتستثمرها استثماراً فعالاً، لكسب تعاطف كبير أسس لتحالف دولي لمحاربة
الإرهاب وتجفيف منابعه ومصادر تمويله، ما يعني أن الولايات المتحدة
الأمريكية نجحت في توظيف الدلالات والمضامين والأبعاد الاستراتيجية
لمسألة انبعاث فكر أصولي إسلامي جهادي يهدد مصالح الغرب الاستراتيجية.
2- مشروع تفكيك النظم الشمولية والاستبدادية وإطلاق مبادرات نشر
الديموقراطية، وقد راهنت الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الخيار،
على مسألة استغلال حالة احتقان سياسي شعبي وعلاقة تصادمية قمعية، ما
بين شعوب هذه المنطقة التي تحتاج إلى التنمية والتقدم، و بين أنظمتها
السياسية التي أخفقت في إنجاز مشروع تحديث هذه المجتمعات وتطويرها.
3- الحيلولة دون انتشار أسلحة الدمار الشامل وتكنولوجيا إنتاجها
وتطويرها، وذلك بدعوى أن انتشار هذه الأسلحة ووصولها إلى أيدي أنظمة
استبدادية، قد لا تتورع في وضعها بتصرف قوى إرهابية ما يشكل تهديداً
للأمن والاستقرار والسلم الدولي.
4- دعم وتشجيع سياسات الانفتاح الاقتصادي وعمليات التحول نحو اقتصاد
السوق الرأسمالي وذلك من خلال:
*- تقديم الدعم المالي والتقني لعمليات التحول.
*- توقيع اتفاقيات تبادل حر وفق شروط معينة تدعم عمليات التحول
والانتقال
5- فك الارتباط بين الإسلام وبين دول المنطقة، وذلك بما يسهل عملية بسط
السيطرة والنفوذ.
6- تذويب أو إنهاء فكرة القومية العربية وإدانتها ومحاصرتها.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن مشروع الشرق الأوسط الكبير، وإعادة تشكيل
جيوبولتيك المنطقة، لم يعد مشروعاً نظرياً فحسب كما يعتقد بعضهم، كما
أنه لم يعد مشروعاً من الماضي كما يتصور آخرون، وذلك على خلفية المأزق
الذي حصل للأمريكان في العراق، إنه مشروع قيد التنفيذ، كانت أولى فصوله
التطبيقية في أفغانستان، ثم جاء العراق في الحلقة الثانية، وهكذا
تتوالى الفصول تباعاً، إذ يجري الحديث الآن عن سورية وإيران الدولتين
الأكثر استعجالاً على قائمة الدول المستهدفة أمريكياً، ومرد هذا
الاستعجال يتولد في الواقع من كونهما:
§ الدولتين الممانعتين للمشروع الأمريكي ممانعة علنية ومكشوفة، وهما
الدولتان الأكثر ممانعة لأي سياسة يمكن أن تمس بمعالم الجيوبوليتك
القائم الذي يضمن توازناً بالحد الأدنى أو على الأقل يضمن استقراراً في
الوضع السلبي.
§ الدولتين اللتين تشكلان قلب الشرق الأوسط الذي يراد تشكيله، بمعنى
أنهما دولتان مفتاحيتان في الجيوبولتيك التقليدي القائم، وبالتالي إن
النجاح في تغيير معالم هذا الجيوبولتيك وتوازناته لا يمكن أن يتم إلا
من خلال إعادة النظر في دورهما الإقليمي وموقعهما في معادلة القوة التي
تحكم منطقة الشرق الأوسط، وهذا يعد مقدمة حقيقية لنجاح المشروع
الأمريكي بحسب تقديرات الإدارة الأمريكية.
أولاً: المشهد السياسي والأمني الراهن للشرق
الأوسط:
كان الشرق الأوسط دائماً ولم يزل محوراً أساسياً للتحالف والتصارع بين
مختلف القوى الأساسية والفرعية التي يتكون منها النظام الدولي. فقد عاش
الشرق الأوسط ملابسات الحرب الباردة جميعها، كما عاش مفاعيل التناقضات
السياسية والاقتصادية والعسكرية لقطبي النظام العالمي الذي سيطر طيلة
فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى سقوط الاتحاد السوفيتي، ويعيش
الآن تداعيات ومنعكسات غياب الاتحاد السوفيتي وانفراد الولايات المتحدة
الأمريكية في قيادة العالم، وسعيها سياسياً وعسكرياً لفرض هيمنتها
إقليمياً ودولياً، في الوقت الذي تحاول فيه قوى إقليمية صاعدة كالصين
وروسية أو قوى تقليدية كأوروبة الإسهام في ملء الفراغ الذي خلف زوال
الاتحاد السوفيتي، ما يعني أن الشرق الأوسط كان ومازال ساحة منازلة
دائمة، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى بعض التطورات السياسية التي
تتحكم مفاعيلها السياسية والاستراتيجية في مستقبل هذه المنطقة وواقعها،
وأهم هذه التطورات:
1- توجه أميركي سافر ومكشوف لإحكام القبضة كلياً على منطقة الشرق
الأوسط.
2- وصول عملية السلام إلى أفق مسدود، وقد تزايد الأمر تعقيداً مع وصول
حماس إلى السلطة إثر انتخابات تم الإشراف عليها من قبل الولايات
المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة.
3- تأزم المشروع الأمريكي في العراق وارتفاع تكاليف التواجد الأمريكي
العسكري المباشر.
4- وصول الملف النووي الإيراني إلى مرحلة متقدمة من التناقض والتضارب
في الإرادات والسياسات للقوى الإقليمية والدولية.
5- استصدار القرار 1559 الداعي لسحب القوات السورية من لبنان وتفكيك
سلاح المقاومة والفصائل الفلسطينية.
6- تشكيل لجنة تحقيق دولية بموجب القرار 1595 إثر اغتيال الحريري
وتوجيه أصابع الاتهام إلى سورية، واستخدام التحقيق كورقة ضغط عليها،
وهذا ما اتضح من خلال التقارير التي قدمها ديتلف ميلس والقرارين 1636
و1644 الصادرين عن مجلس الأمن الدولي.
7- الضغط الأمريكي- الفرنسي المكثف على سورية، والاتجاه نحو عزلها
ومحاصرتها.
8- ارتفاع مستوى درجة التنسيق السوري – الإيراني، إلى درجة متقدمة جداً،
ما رفع درجة الحساسية لبعض القوى الإقليمية والدولية، نظراً لما ينطوي
عليه هذا التنسيق من دلالات ومضامين بالنسبة لشروط التوازن والاستقرار
الإقليمي كما يعتقدون.
من كل ماتقدم يتبين لنا أن الشرق الأوسط دخل مرحلة جديدة أصبح فيها
المشهد السياسي أكثر تعقيداً، وأصبحت التحديات نوعية، بالمستوى الذي
تشكل فيه تهديداً جدياً لتوازن واستقرار إقليمي قابل للتصدع والانكسار.
ثانياً: السياسة الخارجية السورية بين التحديات
والرهانات:
تعيش السياسة الخارجية السورية وديبلوماسيوها متاعب كثيرة، وتحديات
كبرى راهنة، بدأت مع انطلاق المشروع الأمريكي الجديد، وقد كان لهذه
التحديات منعكسات مباشرة ومؤثرة على دور سورية الإقليمي، وموقعها في
نظام القوة الإقليمي والدولي، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى أهم هذه
التحديات:
1- التأقلم مع نظام ما بعد نهاية الحرب الباردة، وزوال الاتحاد
السوفيتي كحليف استراتيجي قام بدور كبير في بناء مركز سورية ودورها
إقليمياً ودولياً.
2- تغير استراتيجية الإدارة الأمريكية، وتحولها من العمل بمقتضيات
نظرية الاستقرار الإقليمي ( التي كانت تسيطر على السياسة الخارجية
الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط لعقود طويلة، والتي تعترف بدور وظيفي
إقليمي لسورية في معادلة العلاقات الدولية لمنطقة الشرق الأوسط ) للعمل
بمقتضيات نظرية الفوضى البناءة، إضافة لتخلي الولايات المتحدة
الأمريكية عن سياسة العصا مع الجزرة، للعمل بمنطق العصا من دون جزرة،
ما شكل تحدياً رئيساً للسياسة الخارجية السورية ومكانتها الإقليمية.
3- الانقلاب في التوصيف الأمريكي لجماعات وفصائل حليفة لسورية تتمتع
بعلاقات استراتيجية معها، ووصمها بالإرهاب، ووضعها على قائمة الأجندة
الأمريكية المطلوب تصفيتها (كحزب الله وحركة حماس.....) وغيرهما.
4- التجاهل الأمريكي – الأوروبي المطلق لتحريك مفاوضات السلام بين
سورية وإسرائيل وعدم إدراجه على جدول أعمال السياسة الدولية لا إقليمياً
ولا دولياً.
5- الغزو العسكري الأمريكي المباشر للعراق ووجود أكثر من مئة وستین ألف
جندي أمريكي في العراق، ما يعني وضع سورية بين مطرقة الأمريكان في
الشرق والسندان الإسرائيلي في الغرب، ما دفع سورية لتبني خيارات صعبة
في سياستها الخارجية، كي لا تكون هدفاً تالياً سهلاً مستساغاً، وهذا ما
عقد وضع العلاقات السورية مع الغرب عموماً وأمريكة خصوصاً.
6- التطورات الدرامية التي انطوى عليها المشهد السياسي في لبنان بدءاً
من معركة التمديد لإميل لحود مروراً باستصدار القرار 1559، من كل ذلك
إلى جريمة اغتيال الحريري، ومن ثم تشكيل لجنة تحقيق دولية بموجب القرار
1595، وما تلا ذلك من ضغوط بموجب القرارات 1636و1644 و1680 الصادرة عن
مجلس الأمن، لضرور تعاون سورية مع لجنة التحقيق الدولية وترسيم الحدود
مع لبنان وإقامة تمثيل ديبلوماسي معه.
7- تحول الموقف الأوروبي من موقف معارض للوجود العسكري الأمريكي في
العراق، إلى موقف مساند ومتفهم، من كل ذلك إلى وصول مشروع الشراكة
الأوروبية السورية إلى طريق مسدود لم تفتح آفاقه عملية توقيع مشروع
الشراكة بالأحرف الأولى.
8- تلك هي أهم التحديات التي تواجه الديبلوماسية السورية وسياستها
الخارجية، والتي لم تعد منعكساتها محصورة في إطار علاقات سورية
الخارجية، بل انعكست انعكاساً مباشراً على طبيعة الاستحقاقات الداخلية
والتحولات البنيوية المطلوبة في سياق برنامج إصلاح متكامل مطلوب
للانتقال بسورية إلى نقطة متقدمة في مسار التطور الاقتصادي والاجتماعي،
وهي تحديات دفعت سورية لتبني خيارات ورهانات جديدة يمكن الإشارة إلى
أهمها فيمايلي:
أ- الرهان على تبدل الاستراتيجية الأمريكية دولياً وشرق أوسطياً، وذلك
من جراء عدم الوصول إلى تقدم ملموس في الحرب على الإرهاب بحسب تقييم
مواقع صنع القرار في السياسة الخارجية السورية هذا من جهة، ومن جراء
ارتفاع درجة احتمال دخول المنطقة في حالة من الفوضى العارمة والعدائية
السافرة للغرب في حال وصول قوى إسلامية متطرفة إلى السلطة من جهة أخرى.
ب- الرهان على تنامي الضغوط الداخلية والخارجية على الإدارة الأمريكية
لتغيير استراتيجيتها.
ت- الرهان على مايمكن أن تسفر عنه الانتخابات في كل من فرنسة عام 2007
وأمريكة عام 2008، إضافة إلى ما يمكن أن تسفر عنه الانتخابات النصفية
للكونغرس الأمريكي في تشرين الثاني من العام 2006.
ث- الرهان على تنامي الدور الإقليمي لكل من الصين وروسية في السياسة
الدولية، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من احتمال تشكل تحالف دولي ممانع
للسياسة الأمريكية.
ج- الرهان على فشل منطق العقوبات الذكية المجرب في العراق، والذي تبين
محدودية فاعليته، هذا فضلاً عن عدم وجود حماس دولي لتكرار مثل هذا
الخطأ.
ح- الرهان على تنامي التيارات المعادية لأمريكة في المنطقة وعلى رأسها
القوى الإسلامية والقومية، والاستثمار فيها وتسويقها سياسياً وإعلامياً.
خ- الرهان على خصائص جيوبولتيك الشرق الأوسط والتوازن الهش والقابل
للتصدع والانكسار. بمعنى أن طبيعة تركيب المنطقة الديموغرافي والسياسي
والاقتصادي، ليس جاهزاً لتغييرات دراماتيكية لا يمكن تحملها، ما يعني
أنه إذا ما ذهبت الولايات المتحدة الأمريكية بعيداً في استراتيجية
الفوضى البناءة، فإن ذلك سيلحق الضرر بمصالح جميع الأطراف التي يتشكل
منها جيوبولتيك الشرق الأوسط ومصالح القوى الإقليمية والدولية.
د- تعزيز قاعدة التحالف مع طهران وتوسيعها والدفع بها إلى مستوى
التحالف الاستراتيجي.
ذ- الرهان على سلاح حزب الله وحركة حماس وبقية الفصائل الممانعه
للمشروع الأمريكي.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن السياسة الخارجية السورية تدرك تماماً أنها
لن تحقق تفوقاً عسكرياً ونصراً ميدانياً في مواجهة مع الولايات المتحدة
الأمريكية، إلا أنها يمكن أن تسهم في خلط الأوراق، وتعميم حالة الفوضى
السياسية والأمنية، مع ما ينطوي على ذلك من منعكسات وتداعيات، ويبقى
السؤال المطروح هو: هل تسمح القوى الإقليمية وعلى رأسها أوروبا
المجاورة للمنطقة بذلك ؟ وهل ذلك يصب في مصلحة أنظمة سياسية عربية شرق
أوسطية لم تعد موضع ثقة من قبل واشنطن ؟.
ثالثاً: الاستراتيجية الأمريكية الراهنة تجاه
سوريه (أبعاد الاستهداف)
يتصف الطابع العام الذي يحكم الاستراتيجية الأمريكية تجاه سورية
بالتردد والارتباك فالسلوك السياسي السوري الخارجي لم يعد مريحاً،
والثقة لم تعد متوافرة، كشرط لإرساء تفاهمات معينة، ولاسيما أنّ الأسس
التاريخية التي أسهمت في إبقاء الأبواب مفتوحة مابين واشنطن ودمشق قد
أصبحت من الماضي في ظل حكم الإدارة الأمريكية الراهنة المحكومة بقوانين
نظرية الفوضى البناءة، وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى تحقيق موسع في
مجلةthe new Yorker)) أجراه(سيمون هيرش) جاء فيه: "أن واشنطن فقدت صلة
الاستخبارات السورية ذات القيمة البالغة حول القاعدة بسبب رفض الرئيس
الأسد توسيع تعاونه في مجالات ليس لها علاقة بالموضوع"(1)، وتجدر
الإشارة هنا إلى أن صقور واشنطن كانوا يعتقدون بأن التعاون مع سورية
بشأن قناة استخباراتية مكرسة للقاعدة، كان ينبغي أن يدفع الأسد إلى دعم
جهود الحرب الأمريكية التي لاتعنيه أبداً(2)، ولذا فقد دخلت واشنطن في
حالة صراع بين هدفين اثنين فيما يتعلق بالحالة السورية هما:
أ- زعزعة استقرار سورية والإطاحة بالنظام، مع الأخذ بعين الاعتبار أن
ذلك يمكن أن يفتح الباب لوصول قوى إسلامية متشددة، وهذا ما لا يخدم
مصالح أمريكة وإسرائيل.
ب- الضغط على سورية وعزلها، ولذلك فقد اتجهت إلى تطبيق مجموعة من
السياسات والاستثمار فيها، ومن هذه السياسات:
1- توجيه الاتهام إلى سورية بدعوى إسهامها المباشر في زعزعة الأمن
والسلم في العراق، وبالتالي تقويض دعائم الديموقراطية على حد تعبيرهم.
2- الضغط على سورية من خلال القرار1559، وقضية التحقيق باغتيال رئيس
وزراء لبنان رفيق الحريري، وتحريك القضية دائماَ من خلال مجلس الأمن
عبر الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
3- ضرب المجالات الحيوية للنظام من خلال:
- تسميم العلاقة مع لبنان وعدم السماح بتطوير العلاقات مع العراق.
- الضغط على تركية والأردن، ودول أخرى باتجاه، تحجيم علاقاتهم مع سورية
وعدم دفعها للذهاب لأبعد من حدود وهوامش معينة.
4- تفريغ النظام من رصيده الشعبي، وذلك من خلال:
- ضخ إعلامي مكثف ومركز على سورية وتصيد أخطائها ومشكلاتها الداخلية
والخارجية.
- إلصاق مزيد من التهم التي لا تلقى القبول ولا الرضا العام عن النظام
لا داخلياً ولا خارجياً.
5- محاولة إثارة النعرات الطائفية والإثنية بغية اختراق النسيج الداخلي
وإضعاف مناعته
رابعاً: السياسة الخارجية الإيرانية بين
التحديات والرهانات.
إن إلقاء نظرة سريعة على تطورات السياسية الخارجية الإيرانية، تبين
بشكل واضح أن هذه السياسة منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران، قد
اتخذت إطاراً محدداً وتوجهاً إستراتيجياً جديداً،إلا أنه يمكن التمييز
بين مرحلتين اثنتين هما:
مرحلة ماقبل الحرب العراقية الإيرانية، ومرحلة مابعدها. فقبل الحرب
العراقية الإيرانية لم يكن هناك حضور قوي ملحوظ في الفكر السياسي
الإيراني لبعض المصطلحات والمفاهيم (كمصطلح المصالح القومية على سبيل
المثال)، إذ أن المصطلحات التي كانت أكثر حضوراً في تحديد السلوك
السياسي الإيراني أولاً والسياسة الخارجية ثانياً كانت تستمد من الإرث
الشعبي، الذي ينطلق من ثنائية صراع الخير والشر، وبالتالي كان
الإيرانيون يتصورون أن خلافهم وصراعهم مع القوى الإقليمية والدولية (وتحديداً
أمريكة)، هو صراع مابين الخير والشر، لكن نتائج الحرب العراقية
الإيرانية كان لها وقع مؤثر على الفكر السياسي الإيراني إذ بدأ هذا
الفكر يتغير تدريجياً، لينطلق من أولويات المصلحة القومية الإيرانية
العليا، وأصبح الحديث بلغة المصالح القومية يطفو على الخطاب السياسي
الإيراني، ويتبلور كمحدد أساس للسلوك السياسي الإيراني إقليمياً
ودولياً(3).
لقد أدرك الإيرانيون إدراكاً دقيقاً بعد تجربة مريرة، أهمية العمل وفق
منطق العصر وقوانينه، وأيقنت إيران أن قدرة الثورة على الاستمرار تتوقف
على مدى التكيف والاستجابة للتحولات العالمية والإقليمية الراهنه دائماً،
ولذا فقد اتجهت لتبني سياسة خارجية براغماتية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً
بمصالح إيران السياسية والاقتصادية الاستراتيجية، وفي هذا الإطار يشير
أحمد نجيب زاده إلى ذلك قـائلاً (4):"إن الاهتمام بالثقافة القومية
تخطى الانجذاب الفردي وبلغ حد انجذاب القاده، ويمكن أن يؤدي مثل هذا
التحول إلى تأثير مهم في سياستنا الخارجية بما في ذلك الدور المحوري
للمصالح القومية بوصفه المبدأ الأساسي الذي يحركها وهو الذي سيؤدي إلى
استبدال العواطف واللاوعي الثقافي اللذين قاما حتى الآن دورٍ محوريٍ في
سياستنا الخارجية بالعقلانية والحسابات".
إلا أن العامل الأبرز الذي أسهم في إحداث التحول الكبير في السياسة
الخارجية الإيرانية، لا يمكن أن يختزل بالدروس المستفادة إيرانياً من
الحرب العراقية الإيرانية والدور العربي المساند لصدام باستثناء سوريا
وليبيا، إذ أنّ ثمة عاملا آخر قام بدور كبير في هذا التحول يتمثل أساساً
بالتطورات الجيوبوليتيكية الكبرى التي حصلت مع وإثر سقوط الاتحاد
السوفيتي (المتمثلة أساساً بتفكك جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق،
وتوسع حلف الناتو شرقاً حتى أصبح على مشارف موسكو وحدود طهران، وتغلغل
الاستخبارات الأمريكية في منطقة أوراسية)، ما يعني أن تحديات الأمن
القومي الإيراني والمخاطر المحدقة بإيران قد تعاظمت، هذا وقد بلغت
المخاوف أشدها إثر دخول مشروع الشرق الأوسط الكبير وإعادة تشكيل
المنطقة حيز التنفيذ، من خلال إسقاط نظام طالبان والتواجد العسكري
الأمريكي المباشر في أفغانستان، إضافة إلى قيام الولايات المتحدة
الأمريكية بنقل قاعدتها العسكرية من "إنجرليك" في تركيا إلى "أبشورون"
في أذربيجان.
من كل ما تقدم إلى ما جاء من تهديدات كبرى جراء الغزو الأمريكي للعراق،
والتواجد الأمريكي المباشر فيه، ما يعني أن إيران أصبحت مطوقة بتواجد
عسكري مباشر من الشمال والشرق والغرب، في حين أن شواطئها البحرية التي
تمتد لأكثر من ألفي كم تشكل جبهة مفتوحة مع قواعد عسكرية أمريكية في
قطر والكويت، إضافة إلى الأسطول البحري الأمريكي الذي يجوب مياه الخليج.
كل ذلك كوّن أرضية، لتتحول ایران نحو تبني سياسة أكثر براغماتية محكومة
أولاً وقبل كل شيء باعتبارات المصلحة الايرانية (5).
بناءًَ على ماتقدم يمكن الإشارة إلى أهم التحديات الراهنة التي تواجه
السياسة الخارجية الإيرانية وهي:
1- تبني نظرية الفوضى البناءة بدلاً من نظرية الاحتواء التي تعاملت بها
أمريكة سابقاً مع طهران، والتي كانت تقوم على أطروحة الحفاظ على طهران
مع استنزاف قدراتها في صراعات هامشية وحروب إقليمية كالحرب التي شنها
صدام عليها، وهنا لابد من التأكيد على أن زوال نظام البعث في العراق
الذي توجس مشاعر الريبة والشك في نوايا طهران وطموحاتها الإقليمية، هو
الذي جعل نظرية الاحتواء إرثاً من الماضي.
2- التوافق الأوروبي الأمريكي في تقييم مخاطر إيران الاستراتيجية، ما
يعني أن إيران لم تعد في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية فقط، بل
أصبحت في مواجهة الغرب الأطلسي بشقيه الأوروبي والأمريكي.
3- وجود دول عربية ما عدا سورية تتملكها هواجس ومخاوف حقيقية من جراء
تنامي قدرات إيران كدولة إقليمية، لها امتدادات مذهبية في غير مكان من
منطقة الشرق الأوسط (جنوب العراق، شرقي المملكة العربية السعودية،
الكويت، البحرين)، هذا في الوقت الذي ماتزال فيه قضية الجزر الثلاث طنب
الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى تشكل محور خلاف عربي إيراني منذ عام
1971، وتجدر الإشارة هنا إلى أن هواجس دول الخليج من توسّع النفوذ
الإيراني، كان قد أسهم في دفع هذه الدول لإقامة علاقات تنسيق وتعاون
أكبر مع دول أخرى خارج المنطقة بهدف تحقيق توازن قوى مع إيران(6).
4- الموقف التركي الرافض لتفوق إيراني على جيوبولتيك المنطقة، ما جعل
تركية صاحبة مصلحة حقيقية وساعية لممارسة الضغوط الدولية على طهران،
بغية تحجيم دورها الإقليمي ونفوذها السياسي والأمني في منطقة الشرق
الأوسط، ولاسيما بعد الإعلان الإيراني عن الدخول في نادي الدول النووية.
مما تقدم يتضح لنا أن إيران أصبحت محاطة بجيوبوليتيك محكوم بإرادة
مشتركة هدفها الضغط عليها للحد من تنامي قدراتها العلمية والتكنولوجية،
التي ستسهم في خلق بنية تحتية تؤسس لنفوذ سياسي إيراني، وبالتالي لدور
إقليمي مؤثر وردعي.
على خلفية ماتقدم اتجهت إيران للتوظيف والاستثمار في مجموعة من
الخيارات أهمها:
أ- توطيد علاقاتها الاقتصادية والعلمية مع موسكو وذلك من خلال
الانفتاح و تعميق قنوات التعاون الاقتصادي والعلمي والتكنولوجي، ومما
أسهم في توسيع هذه العلاقات هو التقاء المصالح الإيرانية الروسية فيما
يتعلق بـ:
- ضرورة إفشال مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يعني في حال نجاحه
هيمنة أمريكية كاملة على منطقة أوراسية وبحر قزوين. فقد لقنت الولايات
المتحدة الأمريكية موسكو دروساً وعبر من خلال تقليم أظافرها في منطقة
آسية الوسطى ( جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق )، وتحويل هذه المناطق
إلى قواعد متقدمة على مشارف موسكو وتخوم الصين، كما أن إيران لا تنظر
بارتياح للدور الوظيفي الذي اختارته لنفسها مجموعة الدول المستقلة
المطلة على بحر قزوين.
- وجود قناعة لدى موسكو بأن تغيير النظام في إيران، يعني دخول المنطقة
برمتها في دائرة الهيمنة الأمريكية، هذا فضلاً عن قناعة موسكو بإمكانية
تقليم أظافر الولايات المتحدة الأمريكية وتحطيم مشروعها من خلال طهران،
وهذا مايفسر لنا الدعم الروسي للبرنامج النووي الإيراني، وهي بذلك (أي
روسية) تكون قد أكالت من خلال إيـران مقابل كيل الولايات المتحدة
لروسية من خلال مجموعة الدول المستقلة والعراق.
ب- توسيع قنوات التعاون والانفتاح الاقتصادي على الصين الصاعدة التي
يمكن أن تهدد موقع الولايات المتحدة الأمريكية، وهنا لابد من الإشارة
إلى أن إيران وافقت على تزويد الصين بـ/250/مليون طن من الغاز الطبيعي
بقيمة إجمالية مقدارها (70)مليار دولار أمريكي، كانت قد تمت بموجب
اتفاقية أبرمت عام 2004 إضافة إلى أن إيران تزود الصين بـ14% من
احتياجاتها النفطية، هذا وتتطلع شركة (صينو بيك) العاملة في مجال
الطاقة لتطوير حقول (يادافارن) النفطية الإيرانية، وتجدر الإشارة إلى
أن بكين تبرم صفقاتها مع طهران دون شروط سياسية مقيدة لخيارات طهران
الداخلية والخارجية، وهذا ما يلقى قبولاً وتفضيلاً من قبل طهران.
ت- الارتقاء بمستوى التعاون والتنسيق والعلاقات مع سورية، التي ترتبط
مع إيران بعلاقات تاريخية كان قد أرسى قواعدها الرئيس الراحل حافظ
الأسد منذ قيام الثورة الإسلامية في إيران، ومما عزز من متانة هذه
العلاقة هو الموقف السوري الرافض للحرب التي شنها صدّام على طهران.
ث- الرهان على تنامي القوى والتيارات المعادية لأمريكة في المنطقة
وعلى رأسها القوى الإسلامية والقومية، ولذا فإن إيران تتجه بعيداً في
تسويقها ودعمها مادياً ومالياً. وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى الدعم
اللامحدود لسلاح حزب الله الذي يمكن أن تستخدمه كرأس حربة متقدمة ضد "إسرائيل"،
في حال تعرضت إيران لمخاطر، وكذلك الأمر بالنسبة لحركة حماس والفصائل
الفلسطينية الإسلامية والعلمانية الممانعة( وتجدر الإشارة هنا إلى أن
طهران قد تبرعت مؤخراً بمبلغ 100 مليون دولار لحركة حماس أثناء مؤتمر
القدس الذي عقد في طهران).
ج- الرهان على فشل منطق العقوبات الذكية الذي أثبت محدودية نجاحه بل
فشله في المساعدة في بلوغ الأهداف.
ح- الرهان على نتائج الانتخابات التي ستحصل في أمريكا عام 2008 ، نظراً
لما يمكن أن تسفر عنه من نتائج تدفع بالصقور ( أعداء إيران ) بعيداً عن
المسرح السياسي العالمي.
خ- الرهان على حالة الفوضى التي ستعم المنطقة في حال المس بالتوازن
الهش لجيوبوليتيك الشرق الأوسط.
د- الرهان على عمقها الديموغرافي والأمني في منطقة الخليج ، وفي جنوب
العراق وداخله، وعلى قدرتها على الاستثمار في ذلك وخلط الأوراق، ما
يعني تهديداً لمصالح الأطراف جميعها.
ذ- ولعلّ هذا هو الرهان الأبرز والأهم وهو رهان إيران على تنمية
قدراتها الذاتية وامتلاكها ديناميات التطور الذاتي اقتصادياً وسياسياً
وعسكرياً وتكنولوجياً، وذلك بما يعزز الشروط والمتطلبات الذاتية
المطلوبة لصيانة الأمن القومي لإيران. من هنا يمكن فهم الإصرار
الإيراني على التخصيب الذاتي لليورانيوم وعلى الأراضي الإيرانية، فضلاً
عن أن إيران حققت اختراقات مهمة ونوعية، في بعض الأنشطة الاقتصادية،
وبصورة خاصة ما يتعلق بالتصنيع الإيراني. وتجدر الإشارة هنا إلى أن
إيران كانت قد طوّرت منظومات دفاع صاروخية متقدمه، واتجهت نحو الالتزام
باستراتيجية دفاعية جديدة منذ عهد خاتمي والی مرحلة احمدی نجاد تقوم
على محاور عدة أهمها:(7)
- ضرورة وضع سياسة دفاعية متوافقة مع ظروف التنمية والإصلاح، فالتنمية
تقتضي أن تتحرك الدولة على أساس مصالحها القومية، وأن تحدث توازناً
معقولاً ومؤثراً بين الساحة الدفاعية والساحتين الاقتصادية والسياسية.
- تبديد الهواجس واقتلاع جذور العداءات والخصومات القديمة مع الدول
القريبة والبعيدة، بمعنى أن الفكر الدفاعي الجديد يجب أن يكون قائماً
على إزالة التوتر والتناقض والتوجه نحو التعايش والترابط.
- يجب أن يبنى هذا النظام الدفاعي على فكرة التوازن بحيث لا تصبح إيران
أسيرة سباق التسلّح، وبالوقت نفسه لها وزنها الإقليمي والدولي، خاصة
وأنها تقع في قلب دائرة الأزمات العالمي. ما يعني أن إيران كانت قد
انطلقت من اعتبارات التوازن ما بين الدفاع وما بين التنمية في الاقتصاد
والسياسة.
إلاّ أن ذلك لم يدم طويلاً إذ سرعان ما تمت العودة إلى السياسات
الدفاعية التقليدية بعدما ارتفعت حدة التصعيدات الأمريكية ضد طهران.
وقد عبّر وزير الدفاع الإيراني عن السياسة الدفاعية الجديدة الراهنة
للجمهورية الإسلامية الإيرانية بالقول إنها رد فعل للبيئة العملية التي
تبلورت على النظام العالمي الجديد(8)، لذا فقد اتجهت السياسة الدفاعية
إثر التهديدات الأمريكية إلى:
- تجنب عنصر المفاجأة وتوقع أي شيء من قبل الإدارة الأمريكية.
- المزيد من الإنفاق على البحث العلمي والتطوير في مجال المنظومات
الدفاعية والعسكرية الردعية والهجومية. ما يعني تبدّل الأولويات، ومبدأ
التوازنات التي كانت تقوم عليها السياسة الدفاعية سابقاً ( في عـهد
خاتمي ).
ر- رهان إيران على الدور الاستراتيجي الذي يمكن أن تقوم به في منطقة
آسية الوسطى والقوقاز ( طاجكستان، كازاخستان، تركمانستان، أفغانستان،
أذربيجان،...) حيث إن هذه المناطق لا تزال تعاني من مشكلات اقتصادية
يمكن لإيران أن تقوم بدورٍ فعال فيها من خلال (9):
- امتلاك إيران الخبرات اللازمة لإنتاج السلع الاستهلاكية التي تحتاجها
هذه الدول، وهنا يمكن أن يكون للجوار والقرب الجغرافي دورُ مساعد.
- خبرة إيران وامتلاكها الكفاءات والقدرات العالية في مجال إنتاج
وتكرير البترول الذي يمثل أهمية كبيرة بالنسبة للجمهوريات المستقلة.
- إمكانية إسهام إيران وبحكم الجوار في تنمية البنية التحتية الأقل
تطوراً في الجمهوريات المستقلة.
ز- رهان إيران على الدور الذي يمكن أن تقوم به مع الهند في منطقة آسية،
وهذا يمكن أن يشكّل تحركاً لا يريح واشنطن، وهذا ما أدركته الولايات
المتحدة الأمريكية، لذا اتجه الرئيس جورج بوش لزيارة الهند بهدف قطع
الطريق أمام إيران، وقد بالغت الولايات المتحدة في إغراء نيودلهي، وذلك
عبر دعم أمريكي للبرنامج النووي الهندي بهدف استقطابها وتفويت الفرصة
على إيران هذا من جهة، وبهدف التلويح للصين بإمكانية استغلال ورقة
الهند، وتعزيز دورها في منطقة آسية من جهة أخرى.
س- رهان إيران على قدرتها في التحكم بإمدادات الطاقة عالمياً، وذلك من
خلال سيطرتها على مياه الخليج ( الشريان العالمي ) بشاطئ طوله 2000 كم،
يبدأ من البصرة نقطة التقاء الحدود الإيرانية-العراقية ويمتد حتى نهاية
خليج عمان، إضافة إلى أن إيران تصدّر يومياً 3.5 مليون برميل نفط، فضلاً
عن إمداداتها للغاز، ما يعني أن الذهاب في الملف الإيراني إلى حدود
استخدام القوة العسكرية سيدفع، العالم إلى أزمة اقتصادية حقيقية، ستكون
تداعياتها السياسية والاجتماعية والأمنية من الخطورة بزمان ومكان.
مما تقدّم يتضح لنا أن ثمة تحديات كبيرة تواجه ديبلوماسية إيران
وسياستها الخارجية ودورها الإقليمي، إلاّ أن إيران تملك أوراق ضغط
استراتيجية قوية، يمكن أن تستثمرها للتأثير على الأطراف والقوى الرئيسة
والفرعية في معادلة القوة الإقليمية، ما قد يدفع الأطراف كافة للعودة
إلى مفاوضات تأخذ بعين الاعتبار مصالح إيران.
خامساً: الاستراتيجية الأمريكية تجاه طهران-
أبعاد الاستهداف:
لم تعد استراتيجية الاحتواء التي اتبعتها واشنطن مع طهران سابقاً مجدية،
لأسباب ذكرناها سابقاً (سقوط النظام العراقي الذي ارتبط تاريخياً
بعداوة مع طهران هذا من جهة، وبسبب التحول البراغماتي الذي حصل في
عقيدة السياسة الخارجية الإيرانية، التي استطاعت أن تكسر حدود العزلة
التي نجحت أمريكة في فرضها على إيران من جهة أخرى)، لذا اتجهت الولايات
المتحدة الأمريكية لتبني استراتيجية جديدة تجاه طهران تستهدف الضغط
عليها بغية تغيير النظام، وذلك من خلال الاستثمار في مجموعة من النقاط
الخلافية ما بين واشنطن وطهران أهمها (10):
أ- البرنامج النووي الإيراني.
ب- الدعم الإيراني لحزب الله وحركة حماس.
ت- الدور الإيراني في العراق.
إلا أن الدوافع الكامنة وراء استهداف إيران لاتتولد فقط مما تقدم، بل
هناك مجموعة أخرى من الدوافع الاستراتيجية الكبرى أهمها:
1- الحيلولة دون امتلاك إيران "سلاح نووي" أو تكنولوجية نووية أو معرفة
علمية بأسرار تخصيب اليورانيوم، نظراً لما ينطوي عليه ذلك من إخلال في
معادلة القوة وشروط الاستقرار التي تحكم الشرق الأوسط، ولاسيما أن ذلك
ينطوي على مؤشرات استراتيجية بالنسبة لأمن "إسرائيل" ومستقبلها وتفوقها
الإقليمي. بمعنى أن الولايات المتحدة الأمريكية و"إسرائيل" تعتبر أن
امتلاك إيران لسلاح نووي يشكّل تهديداً حقيقياً لأمن "إسرائيل"، الذي
يشكّل بالنسبة لأمريكة مسألة أخلاقية ومادية ومعنوية استراتيجية، فضلاً
عن أن امتلاك إيران لتكنولوجيا نووية، يعني الاختلال أو التهديد لأمن
دول الخليج أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية. باختصار إن امتلاك
إيران لسلاح نووي يعني تعاظم النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط
والخليج تحديداً.
2- إن ارتفاع مستوى التنسيق الإيراني الروسي لا يريح واشنطن بل يقلقها
كثيراً، إذ إنه وفي إطار سعيها (أي الولايات المتحدة الأمريكية)
لممارسة السياسات التي تكرّس هيمنتها، فإنها تسعى لتحجيم الدور الروسي
في منطقة الشرق الأوسط، الذي نجحت في استبعاده من العراق وجميع دول
المنطقة، وبهذا فإن واشنطن تعِدّ طهران معبراً لروسية إلى منطقة الخليج
، وبهذا فهي ( أي إيران ) من خلال تعاونها مع روسية تضع العراقيل أمام
مساعي أمريكة، لتحجيم المنافسين المحتملين.(روسية والصين).
3- إن ارتفاع مستوى التنسيق الإيراني-الصيني أيضاً تنظر إليه واشنطن
بقلق وهو يهدد مستقبل هيمنة أمريكة التي لا تدّخر جهداً لا سياسياً ولا
ديبلوماسياً ولا عسكرياً لتحجيم قدرات الصين وضرب مناطق نفوذها،
ولاسيما المناطق التي تراهن الصين عليها لتأمين إمداداتها النفطية
اللازمة لاستمرار نمو اقتصادها وتطوره. في هذا الإطار لابد من الإشارة
إلى أن طلب الصين على الطاقة قد ازداد خلال الفترة بين 1978-1999
بمقدار 150% ومعظم الزيادة تركّزت في القطاع الصناعي وقطاع النقل
والمواصلات، مع الإشارة هنا إلى أن 50% من الناتج المحلي الإجمالي في
الصين تولّد من القطاع الصناعي عام 1995، فيما تشير الاستشرافات
المستقبلية إلى أن الاستهلاك النهائي من الطاقة سيبلغ 1683.5 مليون طن
مكافئ من النفط، إذا ما استمر معدّل النمو 8.3% عام 2015 فيما سيبلغ
2159.3 مليون طن إذا ما استمر معدّل النمو 8.3 عام 2020 (11).
4- إضعاف إيران وتحييد دورها الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما
أن النظام السياسي في إيران يحتكم إلى أيديولوجية دينية ممانعة لقوى
الاستكبار والغطرسة التي ترى طهران في واشنطن نموذجاً معبّراً عنها
بصورة كاملة، كما أن واشنطن ترى أن تعميم ثقافة الممانعة وانتشارها،
يشكّل تحدّياً حقيقياً لمصالح الغرب الاستراتيجية، ولذا فإنها تسعى إلى
محاصرة هذا الفكر، بينما تتجه في الوقت ذاته لتسويق الإسلام التركي
كنموذج حضاري قابل للتكيّف والتعايش مع قيم الغرب سواء كانت مسيحية أم
حداثية.
5- تحجيم دور إيران الإقليمي وضرب مجالات نفوذها الجيوبوليتيكية في
منطقة بحر قزوين، التي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلال تواجد
عسكري إحكام القبضة عليها نظراً لمخزونات هذه المنطقة الاستراتيجية من
الطاقة هذا من جهة، ونظراً لما يعنيه التواجد العسكري والهيمنة
الأمريكية على هذه المنطقة بالنسبة لروسية والصين من جهة أخرى.
وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن السياسات التي مارستها
الولايات المتحدة في منطقة بحر قزوين، كانت قد أضرّت ضرراً بالغاً
بالمصالح القومية لطهران التي انتهكت حقوقها في منطقة بحر قزوين
تاريخياً من قبل الاتحاد السوفيتي وراهناً من قبل أمريكة.(12)
فبعد أن تمكّنت الولايات المتحدة الأمريكية من تثبيت وجودها العسكري
المباشر في منطقة الخليج منذ حرب الكويت، اتجهت إلى تثبيت تواجدها
العسكري في منطقة بحر قزوين، بهدف حماية شركات النفط والغاز الأمريكية
سواء من خلال احتلال أفغانستان أم من خلال نقل قاعدتها العسكرية من (إنجرليك)
التركية إلى (أبشورون) الأذربيجانية، كما أنها اتخذت إجراءات عدة بهذا
الصدد كالمناورات العسكرية التي تقيمها سنوياً مع دول المنطقة باستثناء
طهران وتجري هذه المناورات تحت اسم (المشاركة من أجل السلام).(13)
6- إحكام الهيمنة على طهران للاستفادة من موقعها الجغرافي المتوسط بين
بحر قزوين وآسية الوسطى والعالم الخارجي.
تعدّ منطقة بحر قزوين منطقة محصورة، بمعنى أنها لا تمتلك تواصلاً
مباشراً مع الأسواق العالمية بحكم جغرافيتها المقفلة، ما يعطي إيران
بعداً جيوبوليتيكياً مهماً، إذ إن إيران تمتلك 2000 كم كخط حدودي بحري
في الجنوب تستطيع من خلاله أن تحقق اتصالاً مع العالم الخارجي، خاصة
جنوب شرق آسية والشرق الأوسط، ولذا فقد كان التوجه نحو تأسيس شبكة من
خطوط الأنابيب من أجل تصدير النفط والغاز من منطقة قزوين وآسية الوسطى
لربط أراضي هذه المناطق عبر الأراضي الإيرانية بالبحار المفتوحة،
ولاسيما أن إيران لديها خبرات متقدمة في مجال تكنولوجيا النفط والغاز
والبنية المتقدمة في مجال النقل والشحن، ما يعني أنه لا يمكن الاستفادة
المثلى من هذه المناطق دون السيطرة على طهران.(14)
بمعنى آخر يرى الأمريكان أنه لا يمكن تحقيق الاستفادة الكبرى من
تواجدهم في هذه المنطقة باستمرار تواجد نظام يغرِّد خارج السرب أو
السيطرة، لذا فقد تركّز الضغط على طهران، وقد اتجهت الولايات المتحدة
لممارسة الضغط على طهران من خلال مجموعة من السياسات أهمها:
- تصنيف إيران من دول محور الشر التي يتعيّن على العالم التخلص منها.
- اتهام إيران بانتهاك حقوق الإنسان والحريات.
- استخدام أو تحريك بعض القوى المعارضة لطهران وتمويلها.
- إقحام تركية في شؤون منطقة الخزر-آسية الوسطى عن طريق عزل خصم عنيد
كإيران وذلك من خلال:
- دعم علاقات تركيا مع أمريكا و"إسرائيل".
- دعم تركيا في مساعيها للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
- التفهم الأمريكي دون الأوروبي لدوافع المجازر التي ارتكبها الأتراك
بحق الأرمن أو على الأقل عدم إثارتها.
- استعداء دول الخليج لإيران واستبعاث هاجس الخوف من تنامي النفوذ
الإيراني في منطقة الخليج.
إلاّ أن السمة العامة للاستراتيجية الأمريكية للتعامل مع إيران، تتسم
بالارتباك والتردد بين خيار استعمال القوة العسكرية من خلال ضربة
مباغتة ومكثّفة وشاملة لجميع المواقع النووية والمنشآت الاقتصادية ذات
الطابع الاستراتيجي في إيران، وهو سيناريو ينطوي على مخاطر حقيقية تدرك
واشنطن تداعياتها ومنعكساتها المباشرة وغير المباشرة على مصالحها حول
العالم، وتحديداً في منطقة الشرق الأوسط، وبين خيار الدبلوماسية
والحوار وهو ما أيّدته كلّ من الصين وروسية اللتين تمكنّتا من تعطيل
مشروع قرار أمريكي-بريطاني متشدد يطالب بتطبيق عقوبات اقتصادية على
إيران مع الحق في استعمال القوة العسكرية تحت إطار الفصل السابع من
ميثاق الأمم المتحدة، فيما وصفت فرنسة بأن ما يمكن أن يُتخذ ضد إيران
هو عبارة عن إجراءات رادعة وليس عقوبات، إلاّ أنه من المؤكد أن أفق
الحوار ما بين واشنطن وطهران مسدودة، لأن التناقض يشمل جميع الخيارات
الاستراتيجية، ويطال حتى التفاصيل، فالهوة سحيقة ما بين طهران وواشنطن،
وهي هوة تقوم على أسس وثوابت تاريخية، فقد ظلت إيران والولايات المتحدة
الأمريكية على خصام منذ قيام الثورة الإسلامية سنة 1979، وفي سنة 2002
ضُم هذا البلد إلى محور الشر الذي ابتدعه بوش، وبقي البلدان يسيران في
مسارين متصارعين، اشتد الصراع بينهما في عهد الرئيس محمود أحمدي نجاد،
فالبلدان مختلفان على أكثر من صعيد أيديولوجياً وسياسياً واستراتيجياً،
ما يعني أن أفق الحوار مسدودة، وهذا ما سيدفع الولايات المتحدة
الأمريكية،إما باتجاه القبول بواقع الأمر الراهن والاعتراف بدور إقليمي
لإيران، وهذا يشكّل تحدياً كبيراً بل تحجيماً للدور الأمريكي في الشرق
الأوسط، وبالتالي فإنه يعني الكثير بالنسبة لإمكانات ومقومات الهيمنة
الأمريكية، وإمّا الذهاب إلى خيار المحاصرة والعزل والتضييق على
طهران،كمرحلة أولى وخلال فترة زمنية قصيرة، للانتقال إلى عمل عسكري
مباغت من خلال ضربة عسكرية واسعة ومكثفة تستهدف مواقع ومنشآت
استراتيجية إيرانية، وهو الخيار الأكثر رجحاناً. وتجدر الإشارة هنا إلى
أن "إسرائيل" تمارس ضغوطاً كبرى على الولايات المتحدة الأمريكية
وأوروبة، للتخلص من الملف النووي الإيراني التي ترى فيه خطراً حقيقياً
على مستقبل أمنها.
سادساً: مصادر التهديدات الأمنية والسياسية
المشتركة ما بين سورية وإيران:
على ضوء ما تقدّم يتبيّن لنا بوضوح أن المصادر الرئيسة التي تتولد منها
التحديات والتهديدات لكلّ من سورية وإيران هي:
1- التواجد العسكري الأمريكي المباشر في المنطقة، فقد أصبحت إيران
محاطة من جميع الجهات بقوات الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو،
كما أن سورية أصبحت بين فكي كماشة "إسرائيل" من الغرب وأمريكة من الشرق،
وهذا ما يعني تحجيم النفوذ لكلٍّ من سورية وإيران في المجال
الجيوبوليتيكي للشرق الأوسط وبالتالي تقييد دورهما الإقليمي.
2- تواطؤ دول الجوار الإقليمي: وهذه قضية محورية وجوهرية، إذ إن
الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتزكية نار الخلافات الهامشية،
وتستبعث هواجس وقلقها دول عربية كدول الخليج ومصر من مسألة تنامي قوة
إيران وقدراتها وما يعني ذلك من دلالات بالنسبة لمضامين النفوذ
الجيوبوليتيكي لطهران. من هنا تم تحريك قضية تشكّل الهلال الشيعي
واستغلال حالة خوف غير مبررة من قبل دول عربية لهذه القضية، فضلاً عن
التذكير الدائم بجزر أبو موسى والطنب الكبرى والصغرى، والنزعة الفارسية
الإمبراطورية التاريخية الميالة للسيطرة والنفوذ او الصفویة المذهبیة،
وهي نفسها القضايا التي استغلتها الولايات المتحدة لدفع النظام العراقي
السابق لشن هجومه على طهران.
3- تنامي القدرات العسكرية "الإسرائيلية": مما لا شك فيه أن تنامي
القدرات العسكرية "الإسرائيلية" يشكّل تهديداً حقيقياً لمنطقة الشرق
الأوسط، نظراً لما يعنيه ذلك من اختلال في معادلة القوة وشروط
الاستقرار الإقليميين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن "إسرائيل" استطاعت أن
تحقق كسباً كبيراً في سمعة صناعتها العسكرية وحضورها دولياً في محل
السلاح وتقنياته من خلال:
1- ارتفاع المستوى التقني للأسلحة والمنتجات العسكرية "الإسرائيلية".
2- رخص ثمن الأسلحة والمعدات الإسرائيلية.
3- محدودية عدد مصدّري الأسلحة بالمقارنة مع عدد المشترين.
4- امتلاك "إسرائيل" نظام الأبحاث والتطوير العسكري الناجح في مجالي
الطاقة البشرية والموارد المخصصة لذلك.
5- اتساع نظام التسويق وشبكة ممثلي وزارة الدفاع والعملاء المستقلين
العاملين في تجارة الأسلحة.
وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى أن "إسرائيل" أصبحت خامس أكبر بلد
مصدّر للأسلحة في العالم.(15) فقد ازدادت الصادرات العسكرية "الإسرائيلية"
بصورة مضطّردة خلال الفترة 1973-1997 ( 25 ) مرة من 40-70 مليون دولار
إلى 1.52 مليار دولار، مع الأخذ بعين الاعتبار أن خدمات التقنية
الراقية وبضائعها تشكّل نحو 3/1 ثلث الصادرات الإسرائيلية.(16)
وحقق النمو غير المسبوق في قطاع التقنية الراقية مبيعات للدولة بأكثـر
مـن/7/ مليارات دولار، فصارت بذلك "إسرائيل" ضمن قائمة الدول الخمس في
هذا المجال، مع الأخذ بعين الاعتبار أن تل أبيب هي أحد المراكز العشرة
الأفضل في مجال التقنية في العالم، هذا وقد وقّعت إسرائيل عام 2000
عقوداً بقيمة 2.5 مليار دولار لتصدير الأسلحة والمعدات العسكرية،
وارتفعت قيمة الصادرات العسكرية "الإسرائيلية" عام 2001 إلى أعلى مستوى
لها، إذ بلغت نحو 2.6 مليار دولار وهذا يعادل 10% من إجمالي الصادرات
الصناعية العسكرية حول العالم.(17)
هذا وقد أدرجت مؤسسة استوكهولم لأبحاث السلاح (SIPRI) ست شركات "إسرائيلية"
للتصنيع الحربي ضمن قائمة أكبر 100 شركة لإنتاج الأسلحة في منظمة
التعاون الاقتصادي والتنمية ( OECD ) والدول النامية لعام 2000.(18)
وفي هذا الإطار لا بد من الإشارة إلى أن "إسرائيل" تسعى كثيراً لتكثيف
الضغوط الأمريكية والأوروبية على طهران للخلاص من ملفها النووي.
سابعاً: تقييم مستقبل التعاون السوري-الإيراني:
تعد العلاقات السورية الإيرانية محدداً أساسياً من محددات هيكل منظومة
القوة وصيغ التحالفات لمنطقة الشرق الأوسط، التي تسعى الولايات المتحدة
الأمريكية لهندستها وإعادة تشكيلها، وفق أسس جديدة تستهدف الدورين
الإقليميين لسورية وإيران، وهي علاقة ما تزال أقل بكثير من مستوى
التحدي الذي يتهددهما سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً، ما يعني
ضرورة الانفتاح أكثر في إطار العلاقات الثنائية، وتأسيس الأرضية الصلبة
لمصالح اقتصادية مشتركة من خلال توسيع قنوات التبادل التجاري
والاستثمارات المشتركة والسياحة، من كل ذلك إلى التنسيق في إطار
القضايا الإقليمية والدولية، والمساعدة في تمكين الدورين الروسي
والصيني في منطقة الشرق الأوسط، مع الأخذ بعين الاعتبار ضرورة زرع
الثقة والاطمئنان لدول الجوار العربي، من خلال الانفتاح السياسي
والحوار وتبديد المخاوف والشكوك غير المبررة، بل المفتعلة والمغذاة
أمريكياً-بريطانياً –"إسرائيلياً" وإرساء سياسة تقوم على استخدام حزمة
تطمينات واضحة المعالم تؤكد احترام الخصوصيات والسيادة لجميع دول
المنطقة.
أما على المستوى الداخلي، فلا بد من المضي قدماً في تنفيذ برامج
الإصلاح والتنمية السياسية والاقتصادية، التي يمكن أن تشكل أرضية صلبة
لبنية قادرة على تحمل الضغوط وامتلاك شروط التفاوض الندي بالحد الأدنى،
فامتلاك الموارد، يعني امتلاك عناصر القوة، إلا أن هذا ليس كافياً،إذ
أنه لابد من ممارسة سياسة إعمال القوة، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من
خلال التنمية الشاملة التي تضمن للجميع حقوق المواطنة الحقيقية.
الخلاصة:
من خلال ماتقدم في سياق البحث تبينت لنا بشكل واضح طبيعة الأهداف
والتطلعات الاستراتيجية الأمريكية التي تسعى لهندسة الشرق الأوسط
الممتد من الأطلسي حتى مشارف الصين، بما يسهم في إحكام القبضة
الأمريكية إقليمياً ودولياً، ويكرس الشروط الحقيقية المادية والمعنوية
للقرن الأمريكي الجديد، الذي تغذيه نزعة امبراطورية جديدة، مازالت في
طورها الأول، ترجع مراحلها الأولى إلى ثمانينيات القرن المنصرم،حيث
بدأت مؤشرات انهيار الاتحاد السوفييتي تنكشف بصورة واضحة، وحيث بدأ
يطفو على السطح فكر المحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي هذا الإطار، لابد من الإشارة إلى أن استهداف كل من سورية وإيران،
للأسباب والدوافع التي تحدثنا عنها من خلال سياق البحث،( والتي تتجاوز
الأسباب التي يؤسس عليها الفكر السياسي التقليدي أطروحته في تفسيره
لأسباب الضغط الأمريكي على المنطقة، كالسيطرة على النفط وتعزيز قدرات
اسرائيل)، يعد جزءاً أساسياً من مخطط المشروع الذي مايزال في مراحله
الأولى، ما يعني أنه علينا توقُع مزيد من الضغوط، وما يمكن أن يغيَر
ليس الأهداف بل الأدوات والسياسات، أو أساليب الضغط والتأزيم، لأن نجاح
المشروع الأمريكي الاستراتيجي لا يمكن أن يتم في ظل وجود عقيدتين
سياسيتين، الأولى محكومة باعتبارات المشروع القومي العربي والتي انعطفت
مؤخراً على خلفية ضعفها وتراجع رصيدها في الشارع السياسي العربي
للتنسيق مع الإسلاميين باعتبار أن خصمهما واحد، وكلاهما مستهدف وجودياً،
والثانية محكومة باعتبارات الشريعة والعقيدة الإسلامية وأيديولوجيه
الممانعة والاستقلالية.
إلا أن ما يجب أن نأخذه بعين الاعتبار هو أن استهداف هاتين الدولتين
المارقتين الشريرتين بحسب تصنيف بوش والمحافظين الجدد، لا يشكل هدفاً
بحد ذاته، بمقدار ما هو وسيلة لاستهدافات أمريكية للقوى الإقليمية
والدولية الصاعدة المنافسة (كالصين وأوروبا والإتحاد الروسي) التي تسعى
للإسهام في إعادة تشكيل معادلة القوة وتوزيعها في هيكل المنظومة
الدولية المعاصرة، وفق أسس تضمن لها نفوذاً جيوبوليتيكياً اقتصادياً
وسياسياً وثقافياً في القرن الحادي والعشرين، من هنا جاءت حدود الشرق
الأوسط الكبير من ضفاف الأطلسي غرباً وحتى مشارف الصين و الاتحاد
الروسي في الشرق والشمال الشرقي.
كما يتعين علينا أن ندرك أن مشروع الشرق الكبير، لا يمكن لأي إدارة
أمريكية، سواء كانت جمهورية أم ديموقراطية أن تتراجع عنه، لأن إخفاقه
ينطوي على دلالات استراتيجية بالنسبة لموقع أمريكة في بنية النظام
الدولي الجديد لفترة ما بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق، ما يعني
أنه يتعين علينا تبني سياسات استشرافية وعملية بعيدة عن ردات الفعل
ومنطق التهوين، وإطلاق التفاؤل لمجرد أن تعثر المشروع هنا أو تأزم
هناك، فالمشروع مازال في بدايته وقد يحتاج إلى حرب تمتد لأكثر من
اربعین سنة على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي" دونالد رامسفيلد".
وأختم بالتساؤلات الآتية: إذا كان الانفراد الأمريكي في قيادة العالم
مرفوضاً من قبل القوى الإقليمية المنافسة للولايات المتحدة الأمريكية،
فهل أن فشل الولايات المتحدة (مع الأخذ بعين الإعتبار خلفية حامل
الممانعة والمقاومة في العالمين العربي والإسلامي) يصب في مصلحة هذه
القوى الصاعدة ؟ سؤال برسم النقاش.
(1) Seymour.M.Hersh,The New Yorker, july 28,2003.p 32-36
(2) جيمس نونر، الحرب الأمريكية على الإرهاب وأثرها على العلاقات
الأمريكية – العربية،ص 27، سلسلة محاضرات الإمارت المحاضرة 94، مركز
الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، الإمارات العربية المتحدة.
(3) شؤون الأوسط، أحمد نجيب زادة، دور البيئة المعرفية في سياسة إيران
الخارجية عدد 114 ربيع 2004، ص56-57، مركز الدراسات الاستراتيجية –
بيروت.
(4) دور الثقافة في سياسة إيران الخارجية، أحمد نجيب زاده، شؤون
الأوسط،عدد 114 ربيع 2004،ص57-58.
(5) نفس مصدر (4)، ص57.
(6) دورية مختارات إيرانية، إيران والإمارات وقضية الجزر الثلاث، حميد
تقوى بور، العدد 28، نوفمبر 2002 ص 52، مركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية – مؤسسة الأهرام، القاهرة.
(7) علي رضا شاكر، ثلاث حوارات حول السياسة الدفاعية في عهد خاتمي،
دورية مختارات إيرانية، ص 33، العدد 28، نوفمبر 2002، مركز الأهرام
للدراسات الاستراتيجية، القاهرة.
(8) علي شامخاني: السياسة الدفاعية انعكاس للبيئة الدولية، مختارات
إيرانية، ص 34، عدد 28، نوفمبر 2002، مركز الدراسات الاستراتيجية
والسياسية، الأهرام، القاهرة.
(9) المصدر نفسه(8): ص 65
(10) جيمس نويز، الحرب الأمريكية على الإرهاب وأثرها في العلاقات
الأمريكية-العربية من سلسلة محاضرات، الإمارات 94، ص 20- 21، مركز
الإمارات للدراسات الاستراتيجية.
(11) أسواق الطاقة الآسيوية(الديناميات والاتجاهات)، ص 351، جدول 7-2،
مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية.
(12) مختارات إيرانية: بيروز مجتهد زادة، إيران وتطورات الجغرافية
السياسية في بحر الخزر،العدد21، نوفمبر 2002، ص 110، مركز الأهرام
للدراسات الاستراتيجية.
(13) المصدر نفسه (12)، ص 16.
(14) مختارات إيرانية، بيروز مجتهد زادة،العدد 28، نوفمبر 2002، ص 17،
إيران وتطورات الجغرافيا السياسية في بحر الخزر.
(15) فضل النقيب: اقتصاد "إسرائيل" على مشارف القرن الحادي عشر، ص 167،
ط 1، 2001، بيروت، مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
(16) دان سجير: الصناعة التي لها دولة،هآريتس،ص 5، تاريخ 29/11/1989.
(17) المصدر نفسه (15)، ص 136.
(18) آرييه أجوزي: الحكومة لا تساعد الصناعات الأمنية، يديعوت أحرونوت،
ص 4، 24/8/2000.