|

يقدم الاتفاق
الذي حل الازمة السياسية اللبنانية آخر الامثلة على معادلة القوى
السياسية الجديدة التي تعيد تعريف الشرق الاوسط.
هذه المعادلة تعكس في آن واحد معا القوى المحلية والعالمية وتوفر بعد
ثمانية عشر عاما من نهاية الحرب الباردة اطلالة على ما يمكن ان يكون
عليه عالم ما بعد الحرب الباردة على الاقل في الشرق الاوسط.
يبدو ان هناك عدة ديناميات فاعلة، لكن واحدة منها تبرز بصفتها الاهم
وهي اننا نشهد الحدود الواضحة لامتداد النفوذ العالمي لاميركا الى جانب
التأكيد على وجود قوى اقليمية متعددة، "تركيا، واسرائيل، وايران، وحزب
الله، وسورية، وحماس، والمملكة العربية السعودية.. الخ".
تنحو هذه القوى المحلية الى التحارب والتفاوض في آن واحد، وتفضل في
نهاية المطاف اتخاذ حلول وسط معقولة بدلا من الاستمرار في شن المعارك
المطلقة.
اتفاق الدوحة كان اكثر بكثير من مجرد انتصار لحزب الله على التحالف
المدعوم اميركيا. فهو المثال الراسخ الاول في العالم العربي على اتفاق
سياسي رسمي متفاوض عليه بين خصوم محليين لاقتسام السلطة واتخاذ قرارات
وطنية كبرى بشكل جماعي، في نفس الوقت الذي تحافظ فيه الاطراف المعنية
على علاقاتها الاستراتيجية الوثيقة مع جهات خارجية راعية مختلفة مثل
الولايات المتحدة، وايران، والمملكة العربية السعودية، وسورية.
بخلاف حكومة الوحدة الفاشلة بين فتح وحماس، يرجح للحكومة اللبنانية
الجديدة ان تنجح لان جميع الاطراف يدركون بان عليهم الاقدام على
تنازلات متبادلة من اجل العيش معا بسلام، وقد جرت عملية صهر هذا
الاتفاق في فرن الواقعية الشرق اوسطية السياسية والسكانية بخلاف
المطلقات المهلوسة التي غالبا ما تحرك السياسة الاميركية الاسرائيلية
في هذه المنطقة.
حدد الشرق الاوسط ملامح جديدة في العقود الاخيرة وهي: استعداد الافراد
والحركات السياسية وبعض الحكومات الى الوقوف صراحة موقف المعارضة
والتحدي والمقاومة واحيانا القتال ضد الولايات المتحدة واسرائيل
وحلفائهما من العرب وغيرهم.
منذ عام 2004 والولايات المتحدة تحدد صراحة وبانفعال لبنان بصفته
ميدانا يجب ان تجرى فيه مواجهة حزب الله وغيره من القوى الاسلامية
الاقليمية ودحرها، وها قد اصبح على الولايات المتحدة الان ان تواجه هذه
القوى عبر الطاولة وفي قاعة اجتماعات مجلس الوزراء ليس كاعداء مقهورين
ومهزومين، انما كشركاء وزملاء في حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية،
وعندما يتبادل حزب الله وخصومه السابقون القبلات سيكون على كوندوليزا
رايس المذهولة ان تأخذ حذرها عند ذاك خشية ان تسقط من على دراجتها
الثابتة التي تمارس عليها الرياضة.
ان الولايات المتحدة تلميذ بطيء الفهم في الشرق الاوسط، حيث الارض
غريبة، والتحدث بالاشارات عجيب، والسلطة الحادة للذاكرة التاريخية غير
مفهومة، واساليب التفاوض تنتسب لعالم آخر، لكن الولايات المتحدة ليست
غبية فهي تتعلم على مر الزمن انك لو اعدت استخدام اطار سيارة مستهلك
مرة بعد مرة وواصل الاخفاق في كل مرة فان ذلك يعني ان الوقت قد حان
لشراء اطار جديد اذا كانت لديك نية فعلية في السير الى امام.
الان وقد حققنا التعادل في المواجهة الايديولوجية الواسعة على امتداد
الشرق الاوسط الذي يضع الامركة الاسرائيلية ضد الوطنية العربية -
الاسلامية، فعلينا ان نتوقع من اللاعبين ان يعيدوا النظر في سياساتهم
اذا ما رغبوا في تحقيق مكاسب جديدة على الطرفين.
وعلى اية حال، فان لبنان ليس التطور الاهم الذي حدث مؤخرا والذي يعكس
حدود النفوذ الاميركي في الشرق الاوسط. فالحالة الملحوظة حقا في تبيين
الكيفية التي همشت بها الولايات المتحدة نفسها تتجلى في سلوك الحكومة
الاسرائيلية.
لقد دفعت الولايات المتحدة الاسرائيليين بشدة الى القيام بامرين في
غضون العامين الماضيين، هما: لا تتفاوضوا مع سورية ولا تتعاملوا مع
حماس. فما الذي فعلته اسرائيل خلال الشهور القليلة الماضية ? انها
تتفاوض وبحكمة، مع سورية عبر تركيا وتتعامل مع حماس حول صفقة للهدنة من
خلال وساطة مصرية، تماسكي يا كوندوليزا، فالامر يزداد سوءا.
عندما يتجاهل 500 مليون عربي وايراني وتركي الولايات المتحدة
ويتحدونها، فان الامر لا يبدو مهما في واشنطن، اما حين تتجاهل اسرائيل،
الحليف الازلي لاميريكا، والديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط، ومعقل
الصراع الملحمي الجديد ضد النازية والشيوعية والارهاب، الولايات
المتحدة فان الامر يصبح جديرا بالاهتمام.
ان ما لدينا الان في الشرق الاوسط هو لحظة نادرة حيث تشترك ايران
وتركيا وكل العرب وحزب الله وحماس واسرائيل في سمة واحدة مشتركة هي جعل
تجاهل النصيحة التي يتلقونها من واشنطن والتهديدات التي تأتيهم منها
روتينا لهم.
لقد كانت رايس محقة في صيف عام 2006 عندما قالت ان ما تشهده هو مخاض
ميلاد شرق اوسط جديد، لكن الشرق الاوسط الجديد المصنوع اقليميا يختلف
كثيرا عن الشرق الاوسط الذي تخيلته وحاولت جاهدة على استيلاده من خلال
الحروب المتعددة في العراق وافغانستان وفلسطين والصومال ولبنان اضافة
الى توجيه التهديدات الى ايران وسورية.
ان القواعد الجديدة للعبة السياسية في الشرق الاوسط تكتب اليوم من قبل
اللاعبين المهمين في المنطقة وهو امر يستحق الترحيب.
* رامي خوري
|