الاربعاء 30-04- 2008م الموافق 23 ربيع الثاني 1429 هق
بقلم : نبيل شبيب
في مثل هذه
الأيام قبل تسعة أعوام تحرّك حلف شمال الأطلسي بقواته العسكرية بعد
انتظار طويل ليواجه الآلة الحربية الصربية ويوقف عدوانها الإجرامي في
كوسوفا.
وفي هذه الأيام أعلن استقلال كوسوفا بدعم غربي. آنذاك وضعت كوسوفا بعد
الحرب تحت وصاية دولية، والآن توضع كوسوفا بعد الاستقلال تحت الوصاية
الأوروبية. آنذاك فعلت المأساة فعلها في أن كثيرا من الأطراف
الإسلامية، الشعبية والرسمية، كانت تطالب بالتدخل الأطلسي، ولم يكن
عداء الحلف والعمل لتوجيه حربته نحو المنطقة الإسلامية خافيا، والآن
أيضا يأتي الاستقلال ولا ينبغي أن يخفى أن تصوير استقلال كوسوفا
"انفصالا" عن الدولة الأم، بدلا من اعتباره تحرّرا من احتلال دام تسعين
سنة، قابل للاستغلال لتمرير مخططات للتجزئة في المنطقة الإسلامية
نفسها، وتشابه الحالتين يعيد إلى ذاكرة القلم هذا الموضوع الذي نشر
إبان الحرب الأطلسية، قبل تسعة أعوام.
بادئ ذي بدء نؤكّد:
1 – إنّ المحنة المأساوية الراهنة في كوسوفا حلقة في مسلسل صنعته القوى
الدولية مع تقويض الدولة العثمانية، وما زالت تتابع صنعه، وإن تبدّلت
مراكز الثقل بين عواصم زعاماتها السياسية والعسكرية.
2- حق شعب كوسوفا الألباني المسلم في التحرّر من الاحتلال الصربي
القائم منذ حرب البلقان والحرب العالمية الثانية، حق مشروع بمفهوم
القانون الدولي، وبمنطق مجرى التاريخ.
3- التحذير من مخاطر التدخّل الأطلسي لا يعني معارضة دعم إقرار الحق
المشروع في قضية كوسوفا.
والدعوة إلى تدخل أطلسي صادرة عن تقدير واقعي للمعطيات العسكرية التي
خلّفتها الحربان العالميتان والحرب الباردة، إذ لا توجد قوة عسكرية
أخرى تمتلك في الحقبة الزمنية الراهنة، القدرة على فرض التغيير في كثير
من المناطق في الساحة الأوروبية وخارجها، ولكن إذا كان إدراك ذلك
ضروريا بميزان السياسة الواقعية، فلا يعني التسليم بسائر نتائجه، ومن
الواقعية أيضا إدراك أنّ موازين القوى الدولية لم تثبت قطّ على وضع
واحد زمنا طويلا!..
أخلاقيات اللعبة الأطلسية
مع مراعاة الغياب الخطير والمؤلم لتأثير الدول الإسلامية على صناعة
القرار العالمي، نفهم المتسائلين تساؤلا معبّرا عن القلق والانزعاج، عن
أسباب مماطلة حلف شمال الأطلسي بالتدخل، وقد يورد بعضهم تعليلات
تروّجها مصادر الحلف نفسه. ولئن كان القصد سليما بشأن وضع حدّ للمأساة
الدامية، فلا يغيب عن الأذهان في المقابل ظهورهم وكأنّهم يدعون إلى
مزيد من الهيمنة العسكرية الأطلسية، التي لن تقف عند حدود البلقان
قطعا!..
وأوّل ما ينبغي تثبيته من أجل رؤية اللعبة الأطلسية في البلقان كما هي
-دون رتوش- هو كسر حلقة تفكير معيّنة في متابعة مجرى المأساة في
كوسوفا، وكأنّها تقتصر على سؤال واحد: هل يقع تدخل عسكري، أم يُفرض حلّ
سياسي؟.. فالسؤال الأهمّ الواجب طرحه هو: ما مدى ما سيسفر عنه التدخل
العسكري أو السياسي على السواء، من حيث اقتراب شعب كوسوفا من هدف
التحرّر أو إبعاده عنه؟. فهذا ما يمثّل منظار "مصلحة كوسوفا" وأهلها
الألبان المسلمين عند تقويم النتائج، ولا ينبغي العدول عنه إلى منظار
"مصالح قوى دولية أو إقليمية" كانت عبر الحقب التاريخية الماضية وبقيت
إلى الآن في الخندق المضادّ لكوسوفا ولسواها من أراضي المسلمين في
البلقان، وفي الخندق المضادّ لأهل كوسوفا وسواهم من المسلمين في
المنطقة!..
والأمر الثاني الضروري للتأمّل في اللعبة الأطلسية دون تمويه، هو
استبعاد التعليل التقليدي الذي بات ممجوجا، بشأن أسبابٍ إنسانيةٍ تحرّك
المسؤولين في الدول الغربية، من تلقاء أنفسهم أو تحت ضغط الرأي العام،
فمن السذاجة السياسية بمكان إنكار ما تؤكّده عشرات الشواهد اليومية،
ويقول به المفكّرون الغربيون أنفسهم بشأن "سياسة بلدانهم التي لا أخلاق
لها "، ثم المشاركة الساذجة في ترديد مزاعم الزاعمين أنّ صناعة القرار
الدولي تقوم على موازين العوامل الإنسانية!.. سياستهم قائمة -مهما بلغت
فظائع مأساة ما- على مصالح ومنافع ذاتية، وعلى موازنات ومعادلات دولية،
ووفق حسابات الربح والخسارة المحضة، وهو ما يشمل مختلف المجالات
السياسية والاقتصادية والأمنية العسكرية، فبات جلّها إن لم يكن جميعها
ممّا ينطبق عليه تعبير الهيمنة العالمية، الذي لا يترك مكانا لأكثر من
"توظيف" قضية الحقوق والحريات الإنسانية بعناية فائقة لمزيد من
الهيمنة!..
وبغض النظر عن العامل الأخلاقي المفقود، يستدعي تقويم السياسة الأطلسية
في كوسوفا النظر في وضع الحلف نفسه، وفي ظروفه وأهدافه الراهنة هو،
وليس في قضية كوسوفا بحدّ ذاتها وجوانبها السياسية والإنسانية وسواها،
فالحلف ينطلق من معطياته الوقتية وتطلّعاته المستقبلية عندما يحدّد
معالم تحرّكه في قضية ما، ولا ينطلق بالضرورة من معطيات تلك القضية ما
بين دفتي الحق والباطل، والعدل والظلم. ويبرز للعيان في هذا الإطار أنّ
الجولة الحالية من مأساة كوسوفا -التي بدأت جولاتها السابقة قبل أكثر
من سبعين عاما- قد رافقت مرحلة حاسمة في تاريخ حلف شمال الأطلسي بدأت
مع سقوط حلف وارسو، فقد اتخذت التطوّرات التالية ثلاثة محاور أساسية في
الساحة الأطلسية:
1- يدور المحور الأوّل حول توسيع حلف شمال الأطلسي شرقا دون أن يسبّب
ذلك حربا باردة أو ساخنة جديدة مع البقية الباقية من الاتحاد الروسي
وربّما من يجده من حلفاء جدد في الساحة الآسيوية.
2- ويدور المحور الثاني حول ازدياد تطلّع الأوروبيين إلى تميّز أمني
وسياسي خارجي عن الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن سقطت عمليا حاجتهم
الحيوية إلى مظلّة نووية أمريكية واقية.
3- والمحور الثالث هو محور تطوير المهام الأطلسية نفسها بعد غياب
العدوّ الشيوعي وطرح شعار "الإسلام عدوّ بديل" واتخاذ سلسلة من
الإجراءات العملية في هذا الاتجاه، ما زالت تتوالى، وإن خفت التأكيد
العلني على الشعار في المواقف والتصريحات الرسمية.
مقايضات اللعبة الأطلسية
هذه المحاور الثلاثة لا تنفصل عن محاور أخرى في نطاق السياسة الدولية،
لا داعي للتفصيل فيها، فيكفي التنويه بأهمها:
1- حكايات "الزعامة الانفرادية الأمريكية" وتجاوز الحلفاء ومجلس الأمن
الدولي، وصناعة السوابق في مثل ضرب أفغانستان والسودان والعراق.
2- النزاعات الأطلسية المرتبطة بمسيرة التميز الأوروبي، والتي برزت
بقوة في الخلاف العلني على توزيع القيادات العسكرية في الحلف، لا سيّما
بين واشنطون وباريس.
3- احتكار التسلّح التدميري الشامل، تحت عناوين مضلّلة، كمنع انتشار
الأسلحة المتطوّرة أو حظر التجارب النووية وحتى مكافحة الإرهاب الدولي،
وربط ذلك باحتكار تقنيات متطوّرة، بما يعرقل "التقدّم" في الجنوب
عموما، مع ما نعايشه يوميا لترسيخ "عولمة منحازة عرجاء" على الساحة
العالمية.
هذه الخطوط العريضة كأمثلة عن طبيعة الأرضية الدولية الراهنة، تتلاقى
في محصلتها مع طبيعة الموقع الذي يراد أن يكون مضمونا لحلف شمال
الأطلسي في القرن الميلادي الحادي والعشرين، والذي من المفروض وضع
معالمه الرئيسية في قمّة الحلف في نيسان/ إبريل 1999م في واشنطون مع
مرور السنة الخمسين على تأسيسه. وهنا نجد التعامل الأطلسي مع كوسوفا
نموذجا معبّرا على اتجاه الريح في المسيرة الأطلسية الراهنة، والتي
ستحسم اتجاهها نتائج المفاوضات والمشاورات المكثفة الحالية حول مستقبل
الحلف، وتتناول مجالات عديدة، نركّز الحديث هنا على اثنين منها:
أولا- الصيغة الأمريكية المدعومة بريطانيا من أجل: (1) تحرير صناعة
القرار العسكري والسياسي في الحلف من أيّ مسؤولية أمام مجلس الأمن
الدولي، و(2) الإصرار الشديد على عدم إسقاط ما يسمّى مبدأ "الضربة
النووية الأولى" من فترة الستينات -أي أوج الحرب الباردة- وهو إصرار لا
يجد تعليلا مقنعا بعد افتقاد مفعوله لإيجاد "توازن" ردع نووي متبادل
بين المعسكرين آنذاك يمنع وقوع الصدام، ثمّ (3) الحرص على توسيع نطاق
المهام "الأمنية" للحلف من النطاق الجغرافي لدوله الأعضاء، إلى المستوى
العالمي الشامل!..
ثانيا- أمّا الخطّ الثاني الذي تبنّته في الأصل غالبية الدول الأوروبية
-والمعارضة البريطانية له جزئية فقط- فيستند إلى توسيع مهام الحلف
أيضا، ولكنّه أقرب إلى الاكتفاء بحدود "منطقة الشمال"، والحذر من
"مغامرات عسكرية دولية" فإن وقع ذلك اضطرارا فمن المفروض ضبطه بقرارات
واضحة وبتكليف ثابت من جانب مجلس الأمن الدولي، ولا يخفى هنا قلق
الأوروبيين من نتائج دعم "الزعامة الانفرادية الأمريكية" تحت المظلة
الأطسية وما يعنيه في ميادين المنافسة الأخرى.
المهمة العسكرية المحتملة في كوسوفا، سواء حملت عنوان الأمم المتحدة أو
العنوان الأطلسي، ساحة رئيسية من ساحات النقاش الدائر بين أعضاء الحلف،
في إطار مناقشتهم لمستقبله، فالتدخل أطلسيا دون قرار جديد وواضح في
نيويورك، يثبّت الصيغة الأمريكية، كما يضيف إلى السوابق الماضية سابقة
أخرى تستغلّ لفرض سلوك مشابه على التعامل الدولي في المستقبل. والمخاوف
من ذلك -إلى جانب الارتباط الأورثوذوكسي والسلاف مع الصرب- كانت في
مقدّمة أسباب تصعيد حدّ المعارضة الروسية للمخططات الأطلسية الغربية في
كوسوفا.
قبيل مؤتمر لندن للجنة الاتصال في البلقان وما تمخض عنه في رامبوييه،
بدا أنّ التفاهم الأطلسي الداخلي تحقق على أن تكون قيادة المهمّة
المطلوبة في كوسوفا بمشاركة أمريكية ولكن تحت إمرة قادة عسكريين
أوروبيين، وهي -إن حدثت- المرة الأولى التي توضع فيها قوات أمريكية تحت
قيادة غير أمريكية. ومن المهمّ هنا ملاحظة أنّ المهمة المنتظرة تجري
على أرض أوروبية، وإلى وقت قريب كان الأمريكيون يعرقلون واقعيا تحرّك
الأوروبيين أوروبيا لحلّ أزماتهم أو الأزمات القريبة منهم، بوسائل
عديدة، من بينها أنّ التحرّك الأوروبي يحتاج إلى منشآت وتشكيلات أطلسية
أساسية، لا يحقّ للدول الأوروبية استخدامها دون الموافقة الأمريكية في
الأجهزة الأطلسية المشتركة.
التفاهم الجديد في قضية كوسوفا تطلّب "مقايضة" ما، من الأرجح أنّها
تقوم على تمرير "السابقة الدولية" المطلوبة أمريكيا في كوسوفا دون
الرجوع إلى مجلس الأمن الدولي، مقابل دور أوروبي متميّز أكبر ممّا مضى
في نطاق حلف شمال الأطلسي تشير إليه القيادة الأوروبية للتدخل المحتمل،
وربّما سيكون الجزء الأكبر والأهم من المقايضة هو استعداد الأوروبيين
للقبول بالمشاركة في التغطية الأطلسية لقرار أمريكي بتدخل دولي أطلسي
في المستقبل، خارج نطاق أوروبا، أو خارج نطاق منطقة الشمال عموما.
رؤية الأخطار الأطلسية
من هنا ينبغي على الدعوات الصادرة عن الإحساس بعمق مأساة كوسوفا، والتي
تركّز على ضرورة تدخل حلف شمال الأطلسي، أن تضع في حسابها المخاطر
الدولية البعيدة المدى المرتبطة بنتائج التدخل، وهذا إلى جانب استيعاب
أمر آخر وهو أنّ التدخل يمكن أن يوقف المأساة من الناحية الإنسانية
الآن، ربّما جزئيا، وربّما لفترة زمنية محدودة، ولكنّه لا يؤدّي
بالقضية نفسها إلى حلّ عادل ومستقرّ من الناحية السياسية والقانونية
الدولية.
وينبغي إذن على "الواقعيين" في البلدان الإسلامية، وكحدّ أدنى في غياب
وجود قوّة فعّالة إلى جانب الأطلسي عالميا، أن يؤكّدوا على الأقل أنّ
دعواتهم إلى تدخل أطلسي، أو حتى مطالبتهم بذلك، لا تعني تأييد وضع رداء
دولي، فضلا عن رداء شرعية دولية ما على كتفي الأطلسي، الأمريكي
والأوروبي، فتدخلاته خارج نطاق الدفاع عن دوله وفق النصوص الواضحة في
ميثاق الأمم المتحدة، لا تقوم على قرارات مجلس الأمن الدولي، ناهيك عن
استنادها إلى أيّ وجه من وجوه الشرعية الدولية، وفق صورتها الأصلية في
نصوص المواثيق الدولية.
وبالنسبة إلى قضية كوسوفا بالذات، فالشرعية الدولية تعطي حق الاستقلال،
ولا تقبل فرض حكم صربي مركزي على إدارة محلية ذاتية مقيدة، ولا نزع
سلاح المدافعين عن أنفسهم وارضهم مع بقاء السلاح في أيدي المحتلين
لأرضهم والمرتكبين للجرائم والمذابح اليومية في صفوف الشعب.
وصحيح أنّ مجرّد التأكيد الكلامي على مثل هذه المواقف والمعاني، من
جانب الدول الإسلامية بالذات -وهي الأضعف عالميا في الحقبة التاريخية
الراهنة- لا يغير شيئا من أسلوب صناعة القرار في عواصم الشمال بما يخرق
الشرعية الدولية، ولكنّ غياب هذا التأكيد "الكلامي"، في الدول
الإسلامية على وجه التخصيص، يعني الإسهام الواقعي في تزييف الشرعية
الدولية للهيمنة الأطلسية القائمة جزئيا في الوقت الحاضر، والقابلة
للامتداد فيما يشبه طوق الحصار حول المنطقة الإسلامية بكاملها، كما سبق
أن صنع الغرب في ظلّ سياسة الأحلاف لحصار المعسكر الشيوعي في الشرق.
إنّ الهيمنة الأطلسية بزعامتها الأمريكية هي من أخطر ما تواجهه المنطقة
الإسلامية في الوقت الحاضر وفي المستقبل المنظور، وهي ما يتزامن
ويتكامل مع ما واجهته وتواجهه المنطقة الإسلامية في إطار الصيغ المزيفة
الأخرى المراد فرضها وترسيخها حتى في نصوص دروس الجغرافيا والتاريخ
والأدب، عبر محاولة إعطاء التسوية الأمريكية-الصهيونية لقضية فلسطين
المصيرية رداء ما من شرعية دولية زائفة!..
وقد يظهر حجم الخطر المقصود والمتنامي إذا تأمّلنا في طبيعة المهام
المستقبلية للحلف وميادينها، والتي تحتاج إلى حديث مستقل ومفصل، ولكنّ
أهمّ ما يجب لفت الأنظار إليه بصددها، أنّها لا تكاد تركّز جغرافيا
وموضوعيا على منطقة من العالم، قدر ما تركّز على المنطقة الإسلامية
بالذات، والتي دخلت وثائق الحلف تحت عنوان "هلال الأزمات" وأصبحت جزءا
لا يتجزّأ من أرضية صياغة القرارات العسكرية، بدءا ببرامج تدريب الجنود
الأمريكيين منذ عام 1996م على استخدام القوة النووية ضدّ "أوكار
الإرهاب" عند الحاجة، مرورا بتشكيل قوات التدخل السريع على مقاس
استخدامها في بلدان إسلامية معيّنة، وانتهاء بحظر السلاح الدفاعي
الفعال لردع عدوان خارجي جنبا إلى جنب مع اصطناع أرضية جديدة لتعليل أي
عدوان في المستقبل، قد يقع آجلا أو عاجلا دفاعا مزعوما عن خطوط تجارية
ما، أو تضامنا مزعوما مع حقوق أقليات طائفية ما، أو دعما مزعوما لدولة
ضدّ دولة مجاورة أو ضدّ خطر "أصولي" داخلي ما!..
إنّ مجرّد التفكير بضرورة الالتفات إلى الخطر الأطلسي المستقبلي
والتأمّل في أبعاده إلى جانب أخطار الهيمنة الأمريكية والصهيونية في
ميادين أخرى، يجعل المتأمّل في الساحة العربية والإسلامية في الوقت
الحاضر، يستغرب بالمقابل أشدّ استغراب ممّا يتردّد الحديث عنه من
ذرائع، وهمية وحقيقية.. سيّان، تطرح بقوّة وحماسة كلّما ألحّ طرف من
الأطراف على تقارب حقيقي، سياسي أو اقتصادي أو أمني، وعلى أي مستوى من
المستويات الرسمية والشعبية. ويبلغ الاستغراب درجة الذهول والأسى
الشديد، عند المقارنة بين حجم الخسارة المرجّحة غدا، وبين حجم سائر ما
يتطلّب التلاقي الآن من تنازلات متبادلة، فهذا لا يقاس مع ذاك، ولا
يعظم شأنه أو يقبل كذريعة، إلاّ عند الإصرار على التمسك بموقف متعنّت
أقرب إلى كفّ العيون وصمّ الأذان وتعطيل العقول عن رصد ما يجري في
عالمنا وعصرنا، من بين أيدينا ومن خلفنا، وعن استيعاب أبعاده ومخاطره
الضخمة، على حاضرنا ومستقبلنا.