قمة الأطلسي والقضايا العربية

 
   

الأحد 18 -05-2008 م  الموافق 13 جمادي الاولى 1429 هق   

بقلم : اللواء طلعت مسلم*



 
 

  كانت هناك علاقات متشابكة بين دول أعضاء في حلف شمال الأطلسي ودول وشعوب عربية، حيث كانت أغلب الدول العربية محتلة بواسطة قوات من دول الحلف، لكن العلاقات ظلت أساسا بين دول من الحلف ودول عربية أو قضايا عربية حتى نهاية الحرب الباردة حيث بدأ الحلف يعمل كمنظمة لها علاقات مع الدول العربية.

فقد بدأ الحلف لأول مرة في فبراير/شباط 1995 بالدعوة إلى "حوار المتوسط" حيث قامت علاقات بين ست دول عربية منفردة كما أقامت إسرائيل علاقات مع الحلف، وفي العام 2003 قامت الولايات المتحدة بغزو العراق دون مشاركة من الحلف، وأصدر الحلف في قمة إسطنبول عام 2004 ما عرف بـ"مبادرة إسطنبول للتعاون"، وقد تطورت العلاقات السابقة من حيث انضمام دول عربية إلى هذه البرامج ومشاركتها في بعض نشاطات الحلف، وكان آخرها "مبادرة التدريب التعاونية للشرق الأوسط والبحر المتوسط".

تميزت اتجاهات العلاقات الأطلسية العربية باختلافها عن الأولويات الدفاعية العربية بوضع مكافحة الإرهاب ومقاومة انتشار الأسلحة النووية والتهريب على رأس الأولويات، في حين توارت أولوية الصراع العربي الإسرائيلي في فلسطين وسوريا ولبنان.

قمة بوخارست وعلاقتها بالوطن العربي

انعقدت في بوخارست قمة حلف شمال الأطلسي في الرابع والثالث من أبريل/نيسان 2008 في ظروف اتسمت بتعقد العلاقات بين الحلف وروسيا حول قضايا امتداد الحلف شرقا وانضمام دول جديدة إلى الحلف وإقامة درع صاروخي في بلدان قريبة من الحدود الروسية وانسحاب روسيا من معاهدة الأسلحة التقليدية في أوروبا، وكذا الخلاف بشأن استقلال كوسوفو.

من جهة أخرى فإن قوات الحلف تواجه صعوبات في أفغانستان وتحتاج إلى قوات إضافية، وللحلف قوات تعمل في كل من البلقان في البوسنة وكوسوفو وفي أفغانستان، وله مشاركة مع الاتحاد الأفريقي في دعم قوة في السودان وأخرى في الصومال، في حين تعمل قوة من الاتحاد الأوروبي من دول أعضاء في الحلف في تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى.

أما العراق فقد أصبح حالة مزمنة لم تهدأ، ولكنها لا تشكل جديدا ولا تتطلب حلا من القمة، خاصة أن موقف الحلف من الصراع هناك كان ثانويا بحكم معارضة بعض دول الحلف الحرب في العراق.

كذلك فقد توترت العلاقات مع إيران بشأن نشاطها النووي، واختلفت تصورات دول الحلف بشأن أسلوب معالجتها وأولوياتها.

كما اتسمت القمة بتغير في قيادات كل من بريطانيا وفرنسا حيث غاب توني بلير المؤيد الشديد للولايات المتحدة ليأتي بديل أقل انحيازا، وفي فرنسا غاب شيراك المتميز بسياسته المعارضة أحيانا للولايات المتحدة ليحل محله ساركوزي المؤيد المطلق للولايات المتحدة.

أخيرا فإن هذه القمة هي الأخيرة للرئيس الأميركي الحالي، واحتمالات تغير كبير في السياسة الأميركية واردة.

القمة ونتائجها عربيا

لم تتعرض القمة للصراع العربي الإسرائيلي مباشرة، ولكن يعتبر ما جاء في الفقرة 15 من إعلان بوخارست حول الحرب على الإرهاب من أن الحلف "يدين بأقوى العبارات كل أعمال الإرهاب أيا كانت دوافعها أو مظاهرها"، موجها بصفة خاصة إلى عناصر المقاومة العربية في كل من فلسطين ولبنان والعراق والسودان والصومال، حيث يستبعد الحلف بهذه العبارة مشروعية مقاومة الاحتلال والعدوان.

وهو يعلن تصميمه على محاربته فرديا وجماعيا "وفقا للقانون الدولي ومبادئ الأمم المتحدة". وهنا عبر الحلف عن التزامه بـ"عملية المسعى النشيط" التي تساهم -حسب تعبيره- في مكافحة الإرهاب في البحر المتوسط، والتي طلبت الانضمام إليها بعض الدول العربية.

وعلى الرغم من أهمية هذا الموقف فإنه لا يحمل جديدا للموقف الأطلسي السابق، غير أن التصميم على المحاربة يعني استمرار اتخاذ الحلف موقفا مناهضا للحقوق العربية.

تعرضت قمة الأطلسي لقضية دارفور بأن عبرت عن اهتمامها الشديد "بالعنف والتعذيب" في دارفور، ودعت إلى إيقاف الاعتداءات، كما عبرت عن استعدادها -بالتشاور مع الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي- لدعم جهود حفظ السلام في المنطقة، وذكرت أن الحلف رحب بالتعاون المباشر بين الحلف والاتحاد الأفريقي عبر دعم مهمة الاتحاد الأفريقي في السودان وقوة الدعم الأفريقية.

كما ذكرت أنها وافقت بناء على طلب الاتحاد الأفريقي على دعم مهمته في الصومال، وأعربت عن استعدادها لبحث أي طلبات إضافية لدعم هذه المهمة.

ويعكس موقف القمة رغبة دول الحلف بالتدخل في السودان وأفريقيا عموما لكنه لا يبدي استعدادا كبيرا لتحمل أعباء إضافية وخاصة بشرية من أجل هذا الغرض.

أكدت القمة التزامها بدعم حكومة وشعب العراق وبالمساعدة مع تطور قوات الأمن العراقية، وأنهم قد أجابوا بإيجابية على طلب المالكي امتداد مهمة الحلف التدريبية في العراق في العام 2009، كما أنهم يوافقون على طلب العراق مدّ هذه المهمة إلى مجالات تدريب قيادات الأسطول والقوات الجوية وتدريب الشرطة وأمن الحدود والحرب على الإرهاب والإصلاح الدفاعي وبناء المؤسسات الدفاعية والمحاسبة على الأسلحة الصغيرة والمعدات الخفيفة.

كذلك فقد صدق الحلف على إطار للتعاون المؤسسي لتطوير علاقات الحلف الطويلة المدى مع العراق، وأن يستمر في تنمية وتطوير قدرات العراق لمواجهة التحديات والتهديدات المشتركة.

يعكس الموقف من العراق امتداد اقتصار دور الحلف على الجانب التدريبي والدعم السياسي فقط، لكن الجديد هو العمل على تحقيق تعاون مؤسسي طويل المدى، مما يعني عمليا الاستمرار في إبعاد العراق عن أمته العربية وارتباطه بعلاقات ممتدة مع الحلف.

أعربت القمة عن سرورها للتقدم الملحوظ في إطار "حوار المتوسط" منذ قمة إسطنبول وريجا، وأن المشاورات السياسية مع شركاء "حوار المتوسط" اكتسبت تقدما في الكثافة والمضمون، وأن التعاون العملي قد نما في مجالات متعددة، وأنها قد وفرت فرصا جديدة خاصة في مجال التدريب والتعليم. ورحب الحلف بالتقدم الذي تحقق في تطبيق نشاطات "مبادرة الحلف للتعاون التدريبي"، وفي روح الملكية المشتركة، وفي ضوء إطلاق دورة الحلف للتعاون الإقليمي في كلية دفاع الحلف الأطلسي حيث أجريت دورتان بنجاح.

ويذكر الحلف أن عقد "برامج التعاون الفردي" مع كل من مصر وإسرائيل سيساعد على تأسيس تعاون مؤثر وبناء وطويل المدى مع هذه البلاد، كما أن الحلف يرحب بتطبيق مشروع "صندوق الائتمان لحوار المتوسط" لمساعدة الأردن على التخلص من الذخيرة والعتاد التي لم تنفجر، وإطلاق دراسة الجدوى لمشروع صندوق الائتمان لمساعدة موريتانيا على التخلص من الذخيرة.

رحب الحلف باستجابة أربع دول عربية من منطقة الخليج لعرضه التعاون في إطار مبادرة إسطنبول للتعاون، ويشجع دولا أخرى من المنطقة على قبول العرض، ويقول إنه سيطور ترتيبات اتصاله على أساس تطوعي مع المنطقة، كما أنه مسرور لاهتمامها ومشاركتها المتزايدة في نشاط الحلف التدريببي والتعليمي، وأنه على استعداد لتعزيز التعاون في هذا الميدان والميادين الأخرى.

كما أنه شجع شركاء "مبادرة إسطنبول للتعاون" على تطوير برنامج تعاون فردي على ضوء بناء تعاون أفضل. كما عبر الحلف عن تقديره للدعم الذي قدمه شركاء المبادرة لعمليات ومهام التحالف.

يلاحظ مما سبق أن القمة اقتصرت على تشجيع ما هو قائم فعلا دون التقدم بجديد في أي من البرامج في مجال من مجالات التعاون، كما ركزت على التعاون في مجال التدريب والتعليم.

عبر الحلف عن قلقه العميق مما أسماه "مخاطر برامج التسليح النووي والصاروخي الإيراني"، وطالب إيران بالالتزام الكامل بقرارات مجلس الأمن. واتفق الحلفاء على مضاعفة جهودهم من أجل التطبيق الكامل لاتفاقات وقرارات مجلس الأمن الخاصة بعدم الانتشار التي يؤكدون دعمهم لها والالتزام بها. وهذه أيضا لهجة مخففة تعكس اختلاف دول الحلف بشأن معالجة القضية الإيرانية.

مقارنة بين قمة وقمتين

قد يبدو الفارق واضحا أكثر عند مقارنة ما صدر في بوخارست بما سبق أن صدر عن قمة الحلف في إسطنبول عام 2004، وعن قمة الحلف في ريجا عام 2006. فقد أصدرت قمة إسطنبول بالإضافة إلى "إعلان إسطنبول" وثيقتين خاصتين بالمنطقة العربية، الوثيقة الأولى هي "مبادرة إسطنبول للتعاون"، والأخرى "بيان عن العراق"، في حين أصدرت قمة ريجا "مبادرة حلف الأطلسي للمتوسط والشرق الأوسط".

وتعكس المقارنة انخفاض اهتمام الحلف بالمنطقة والقضايا العربية، والاكتفاء بما حققه فعلا مع استمرار تطويره بما تسمح به الظروف وباستعداد الأطراف الأخرى، وانشغاله بالقضايا التي سبقت الإشارة إليها مع روسيا وأفغانستان والبلقان وغيرها وخاصة التوتر بشأن المشروع النووي الإيراني.

كذلك فقد انعكست الخلافات بين الحلفاء أنفسهم بشأن بعض القضايا لا سيما التعامل مع إيران والخلاف بين الولايات المتحدة ودول الخليج حولها على مدى اهتمام الحلف بالقضايا العربية.

مستقبل العلاقات الأطلسية العربية

من المنتظر أن تستمر العلاقات بين الدول العربية وحلف شمال الأطلسي على المستوى الذي وصلت إليه مؤقتا على الأقل لحين انتهاء مدة الرئاسة الأميركية الحالية، ولمدة تالية بعد تولي الإدارة الجديدة إلى حين تبلور سياسة أميركية يمكن أن يتفق عليها أو يختلف حولها الحلف.

سيستمر الحلف في جميع الأحوال في تجاهل الصراع العربي الإسرائيلي من جهة، وفي دعم إسرائيل من جهة أخرى، كما سيستمر في العمل على فرض أولوياته التي تهتم بمكافحة الإرهاب وانتشار أسلحة التدمير الشامل، ومكافحة التهريب والمخدرات.

وسيعمل على استمرار تفكيك العلاقات الدفاعية العربية لتحل محلها علاقات بين الدول العربية منفردة والحلف، كما سيسعى إلى إشراك دول عربية تدريجيا في عمليات يقودها حلف شمال الأطلسي. ولا تختلف دول الحلف حول الأهداف السابقة.

سيتوقف نجاح الحلف في تحقيق ما سبق على موقف الدول العربية، ورغم أنها تبدو متجاوبة مع أهداف الحلف الأطلسي بشكل عام فإن موقفها من أزمة المشروع النووي الإيراني يفيد باحتمال خروج بعضها على الأقل على الإرادة الأميركية ومن يساندها من دول الحلف.

إلا أنه يجب عدم التعويل على الخلافات الداخلية الأطلسية حيث تتفق دول الحلف على الأهداف وتختلف في الوسائل، كما أن القيادات الجديدة في بريطانيا وفرنسا لم تبد خروجا عن السياسات الأميركية.

===========================================
* خبير عسكري مصري
 

 

ارسل تعليقک على هذا المقال

الاسم

البريد الالكتروني

البلد

المهنة

عنوان المقالة

نص التعليق